قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107) . وهذه الرحمة عامة للمسلمين وغير المسلمين، كما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عن هذه الآية:"هو عام في حق من آمن ومن لم يؤمن، فمن آمن، فهو رحمة له في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن فهو رحمة له في الدنيا [1] .وقال بعض العلماء:"بل أريد بها أهل الإيمان دون أهل الكفر" [2] . قال الطبري:"وأولى القولين في ذلك بالصواب. القول الذي رُوي عن ابن عباس، وهو أن الله أرسل نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم" [3] ."
فنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - قد بعث رحمة للناس أجمعين. ويؤيده حديث أبي هريرة، - رضي الله عنه -، قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال:"إني لم أبعث لعّانًا، وإنما بعثت رحمة" [4] . ولكن بعض الناس -باختياره- يرفض أن تناله هذه الرحمة بشكل كامل، وذلك بأن يرد رسالة الإسلام، ثم يناصبه العداء، ويقف ضد انتشار دعوته بالمنع، وضد أتباعه بالحرب. فمثل هذا قد لا يجد المسلمون خيارًا دون قتاله.
وذكر القرآن الكريم الرحمةَ بالناس من ضمن صفات المؤمنين، فقال الله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} (البلد: 17) . قال ابن كثير:"وقوله: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} أي: كان من المؤمنين العاملين صالحا، المتواصين بالصبر على أذى الناس، وعلى الرحمة بهم [5] . وقال العثيمين:"أي: أوصى بعضهم بعضًا أن يرحم الآخر، ورحمة الإنسان للمخلوقات تكون في البهائم وتكون في الناطق. فهو يرحم آباءَه، وأمهاته، وأبناءَه، وبناته، وإخوانه، وأخواته، وأعمامه، وعماته، وهكذا. ويرحم كذلك سائر البشر، وهو أيضًا يرحم الحيوان البهيم فيرحم ناقته، وفرسه، وحماره، وبقرته، وشاته، وغير ذلك" [6] ."
(1) ". معالم التنزيل، البغوي، 5/ 359؛ لباب التأويل، الخازن، 3/ 246. وانظر: جامع البيان، الطبري، 18/ 552؛ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 11/ 350."
(2) جامع البيان، الطبري، 18/ 552.
(3) جامع البيان، الطبري، 18/ 552. وانظر: التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 6/ 1165.
(4) الجامع الصحيح، مسلم بن الحجاج، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، 4/ 2006/2599.
(5) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/ 409.
(6) تفسير العثيمين، ص 218.