قال الله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} (الأنفال: 61) . قال ابن كثير في تفسيره للسَّلم:"أي: المسالمة والمصالحة والمهادنة" [1] . وقال البخاري:"السِّلْمُ وَالسَّلْمُ وَالسَّلاَمُ وَاحِدٌ" [2] . فالمعنى:"وإن مال غير المسلمين إلى مسالمتك ومتاركتك الحربَ، إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية، وإما بموادعة، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح، فمل أنت أيضًا إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه. وتوكل على الله وفوض أَمرك إِليه فهو وحده الذي يستطيع أَن ينصرك ويحفظك من خياناتهم، على أَن يقترن ذلك بالحذر منهم" [3] .
والصحيح أن هذه الآية غير منسوخة، بل هي محكمة، يُعمل بها في مواضعها [4] . أما عن مبادأة المسلمين بطلب الصلح والمسالمة مع غير المسلمين، فيقول الطبري:"فأما دعاؤهم إلى الصُّلح ابتداءً، فغير موجود في القرآن، فيجوزُ توجيه قوله: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ} (البقرة: 208) إلى ذلك" [5] . وقال القرطبي تعليقًا على الصلح الذي عقده النبي - صلى الله عليه وسلم - مع المشركين في الحديبية:"ودل على جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم، إذا رأى ذلك الإمام وجها. ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو، لموادعة النبي - صلى الله عليه وسلم - عيينة بن حصن الفزاري، والحارث بن عوف المري يوم الأحزاب، على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة، وينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشا، ويرجعا بقومهما عنهم"."وقال ابن حبيب عن مالك رضي الله عنه: تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث، وإلى غير مدة" [6] .
المعْلم الثالث: الأمر بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة:
قال الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125) ." {بالحِكْمَة} يعني: بالمقالة المحْكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضِّح للحق، المزيل للشبهة، {والموعظة الحسنة} يعني: بالترغيب والترهيب، وهو أنه لا يخفى"
(1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 83.
(2) الجامع الصحيح، البخاري، باب قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} (الأنفال: 1) ، 6/ 61/4645.
(3) جامع البيان، الطبري، 14/ 40؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 83.
(4) جامع البيان، الطبري، 14/ 40؛ لباب التأويل، الخازن، 2/ 324.
(5) جامع البيان، الطبري، 4/ 255.
(6) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 8/ 41. وانظر: شرح صحيح البخاري، ابن بطال، 8/ 93.