أحمر، إلا بالتقوى" [1] . فلو جعَل كل واحد من البشر هذا المفهوم في خلَده لانتفى ما يفرّق بين الناس من التفاخر بالأنساب، والتعصب للقبائل، والتعالي بالأوطان، والتحارب على مثل هذه المعاني التي لا قيمة لها عند الله تعالى."
يقول الله تعالى: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} (الرحمن: 10) تحت قوله: {للأنَام} سؤالان: الأول: ما المراد بالأنام. الثاني: لماذا وضعت الأرض للأنام؟ أما عن السؤال الأول: فقال أهل التفسير في القديم والحديث: إن المراد بالأنام هو جميع من خلق عليها، من الإنس والجن والحيوان .. فمثلًا: قال مجاهد:" {للأنام} : يعني: للخلق". وقال مقاتل:"يعني للخليقة من أهل الأرض". وعن ابن عباس:"كلّ شيء فيه الروح" [2] . وفي"لباب التأويل":"يعني للخلق الذين بثهم فيها وهو كل ما ظهر عليها من دابة. وقيل للإنس والجن". وفي"تنوير المقباس":"للخلق كله، الأحياء والأموات منهم" [3] . فالمراد أن الأرض مخلوقة للإِنس والجن والحيوان والسمك، والحشرات، ونحو ذلك [4] .
وأما عن السؤال الثاني: لماذا وضعت الأرض للأنام؟ فقال المفسرون: يعني وضعت لهم للانتفاع بخيراتها. مثل المشي في مناكبها، والأكل من الرزق الذي وضع فيها، والتنزه بظلالها، والتلذذ بمناظرها وعجائبها، إلى غير ذلك من أنواع الانتفاع [5] .
فهذا الإعلام من رب الأنام يفيد أن الأرض كل الأرض -بخيراتها وأرزاقها- للأنام كل الأنام -باختلاف أنسابهم وأجناسهم وأشكالهم وألوانهم- فلو احترم العالم هذه الحقيقة الإلهية، لحل كثير من مشكلات الحياة التي يعاني منها البشرية في أرجاء المعمورة. يقول الشعراوي:"إن منع الإنسان من حرية الانتقال من مكان إلى مكان يفسد حركة الإنسان في الكون، فقد يرغب إنسان في أن ينتقل إلى أرض بكر ليعمرها، فيرفض أهل تلك الأرض، فلو أن الأرض كل الأرض كانت للأنام، بحيث إن ضاق العمل في مكان ذهبتَ إلى مكان آخر، بدون قيود عليك، تلك القيود التي نشأت من السلطات"
(1) مسند الإمام أحمد، 38/ 474/23489. وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح.
(2) تفسير مجاهد، 1/ 636؛ تفسير مقاتل بن سليمان، 4/ 196؛ جامع البيان، الطبري، 22/ 15.
(3) لباب التأويل، الخازن، 4/ 226؛ تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، الفيروزآبادي، 1/ 451.
(4) انظر: التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 9/ 1206.
(5) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، 3/ 411؛ ملاك التأويل، أحمد بن إبراهيم الغرناطي، 2/ 464؛ فتحُ البيان، القنوجي، 13/ 316؛ التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 9/ 1206.