قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية، فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل. والله أعلم" [1] ."
ويبدو أن المقصود هنا: هو المحبة والمودة الدينية، وذلك بأن يحابب غيرَ المسلم، لا لأي سبب طبيعي يدعو إلى حبه ومودته، مثل كونه أحد أقربائه، أو كونه ممن يشاركه في أمر دنيوي، ويتعاون معه في بعض الأمور الدنيوية. أما المحبة والمودة الحاصلة لمثل هذه الأمور؛ فلا بأس من وجودها بين المسلم وغير المسلم المسالم؛ لأن مثله من الأمور الجبلية التي ليس في مقدور الإنسان دفعها، فلا يؤاخذ عليها المسلم."ولكن هذه المحبة جائزة بشرط ألا تُقدّم على محبة الله ورسوله، وألا تَحمل على ترك واجب أو فعل محرم ... ويجب أن يُلاحظ أن هذه المحبة يجب أن تبقى في حدودها الدنيوية ..." [2] .
ومما يُستدل به على جواز مثل هذه المودة لغير المسلم: مودة النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمه أبي طالب، دلَّ عليه حرصه على هدايته بشكل خاص, حتى أنزل الله في شأنه قوله: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} (القصص: 56) ، أي: من أحببته لقرابته [3] . يقول صالح الفوزان في تعليقه على هذه الآية:" {إِنَّكَ} أيها الرسول، {لا تَهْدِي} : لا تملك هداية {مَنْ أَحْبَبْتَ} . من أقاربك وعمك، والمراد بالمحبة هنا: المحبة الطبيعية، ليست المحبة الدينيّة، فالمحبة الدينيّة لا تجوز للمشرك، ولو كان أقرب الناس: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} ، فالمودة الدينيّة لا تجوز، أما الحب الطبيعي فهذا لا يدخل في الأمور الدينيّة" [4] . وقال محمد العثيمين:"ويجوز أن يحبه محبة قرابة، ولا ينافي هذه المحبة الشرعية" [5] .
وأيضًا يفهم من قول الله تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
(1) فتح الباري، ابن حجر، 5/ 233.
(2) الولاء والبراء والعداء في الإسلام، أبو فيصل البدراني، ص 99.
(3) جامع البيان، الطبري، 19/ 598؛ معالم التنزيل، البغوي، 6/ 215، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 620.
(4) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، صالح بن فوزان الفوزان، 1/ 258.
(5) القول المفيد على كتاب التوحيد، محمد بن صالح العثيمين، 1/ 349.