وللباحث بعض التعليقات على هذه المذاهب يظهر من خلالها ما يراه راجحًا، وهي كالآتي:
أولًا: إن ما ذهب إليه الجمهور في هذه المسألة يكون هو الراجح، ولكن في الظروف العادية، وذلك بأن يلتقي المسلم بغير المسلم في الطريق مثلًا، فلا يجوز للمسلم أن يبادئه بالسلام، لغير حاجة أو سبب:
-أما الحاجة: فمثل أن تكون هناك مصلحة في ابتدائه بالسلام، كتأليف قلبه للإسلام، أو دفع شره عن المسلمين. كما ذكر العلماء أن العموم في حديث:"وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" [1] ، مخصوص بالمسلمين، فلا يسلم ابتداء على كافر، يقول العيني:"ويمكن أن يقال: إن الحديث كان في ابتداء الإسلام لمصلحة التأليف ثم ورد النهي" [2] . قلت: فيمكن أن يكون السلام كان يبذل لغير المسلمين في العهد المدني الأول، لغرض التأليف، فلما ظهر من اليهود التمادي في الغي، ونصب العداء والحرب على الإسلام والمسلمين، وظهرت -في المقابل- شوكة الإسلام وقوة المسلمين؛ جاء النهي حينئذ عن ابتدائهم بالسلام. إذن فمتى وجدت مثل تلك العلة التي كانت موجودة في العهد المدني الأول جاز ابتداء غير المسلمين بالسلام. جاء في"الدر المختار":"ويسلم المسلم على أهل الذمة لو له حاجة إليه، وإلا كره" [3] . قال ابن عابدين في تعليقه على هذه الجملة:"لأن النهي عن السلام لتوقيره، ولا توقير إذا كان السلام لحاجة" [4] .
-وأما السبب: فمثل أن يأتي المسْلمُ غيرَ المسلم في بيته أو مجلسه، فله أن يسلِّم، لغرض الاستئذان والاستئناس، كما ذكر ابن حجر أن بعض العلماء تؤول النهي بابتدائهم بالسلام: بألا نبتدئهم السلامَ كصنيعنا ذلك بالمسلمين، يعني عند التلاقي، أو الترائي [5] .
ثانيًا: إن ما ذهب إليه الجمهور من أن الرد على سلام غير المسلم يكون بلفظ:"عليك"، أو"وعليك"؛ إنما يتعين ذلك الرد عند اليقين أن المسلِّم إنما قال كلمة أخرى غير السلام، مثل:"السام عليكم"، أو لم يتضح لنا اللفظ الذي قاله، مع كونه متهمًا بصفاء القلب مع المسلمين .. أما إذا تيقنّا أنه قال السلام بدون تحريف أو تغيير، فينبغي أن نرد عليه كما نرد على المسلِم. وكذلك إذا لم يتضح لنا ما قال، ولكنه غير متهم بعدم صفاء
(1) رواه البخاري ومسلم. وقد سبق تخريجه.
(2) عمدة القاري، العيني، 1/ 138.
(3) الدر المختار مع رد المحتار، الحصكفي، 6/ 412.
(4) رد المحتار، ابن عابدين، 6/ 412.
(5) فتح الباري، ابن حجر، 14/ 206.