فنلاحظ أن مسألة الخلق متعلقة بصفة الإرادة. وصفة الإرادة عند الأشاعرة هي لتخصيص أحد جوانب الممكن بالوجود أو العدم أو بعض الخصائص من زمان أو مكان أو أعراض. لكن الأشاعرة يقولون، إن الله كان ولم يكن شيء معه، ثم خلق الخلق. فهذا يعني وجود مخلوق أول. فأعترض الفلاسفة فقالوا: إن العقل يقضي بأنه قبل ذلك المخلوق الأول قبل، أو بتعبير آخر، الفترة ما بين كون الله تعالى وحده أزلًا وبين خلقه أول مخلوقاته، بماذا نسميها؟ فإنها زمان، والزمان مقدار الحركة، والحركة متعلقة بالمادة فوجب قدم المادة. فأجاب الإمام الغزالي: بان من تصور قبل ذلك المخلوق الأول قبلا فهذا من أغاليط الوهم [1] ، وهو كمن يتصور بعد حدود العالم وجودًا، فليس بعد المكان مكان.
حيث أن الفلاسفة يقولون: إن من تصور بعد حدود العالم مكانا فهذا من أغاليط الوهم فكذلك من تصور قبل المخلوق الأول قبلا فهذا من أغاليط الوهم.
إن الإمام ابن تيميّة يوضح فهم المتكلمين في: انهم تصوروا الله معطلا عن الفعل، حيث انه في الفترة التي كانت ما بين وجود الله أزلًا إلى المخلوق الأول كان متصفا بصفاته الفعلية، إلا انه لم يفعل ولم يخلق، أي انه معطل عن الصفة فعلًا لا قوة. وذلك سببه انهم ينكرون وجود حوادث لا أول لها، أي التسلسل في الآثار. وحتى لا يثبتوها قالوا: بان الله لم يفعل، فرارا من القول بقدم العالم، لازم الفلاسفة.
إلا أن الإمام ابن تيميّة يعترض قائلًا: ان إثبات حوادث لا أول لها لا يلزم منه ما ذهبت إليه الفلاسفة، وهو قدم العالم، بل ان ما يلزم منه فقط هو دوام الفاعلية وليس في ذلك حجة على قدم العالم، وبالتالي فلا يرد استشكال الفلاسفة على مذهب ابن تيميّة، حيث اعترض الفلاسفة على المتكلمين بان صدور الكون ترجيح بلا مرجح [2] ، لكن لو قلنا بدوام الفاعلية وانه لا يلزم ما ذهبت إليه الفلاسفة لخرجنا من إشكالهم [3] .
فالقضية تابعة لمشكلة صفة الإرادة. فان الإرادة صفة أزلية لله تعالى، فالإرادة متعلقة في العالم لكن إذا تعلقت الإرادة به، فهل يجب وجوده على الفور أم على
(1) انظر، الغزالي، أبو حامد محمد، (تهافت الفلاسفة) ، ص 59.
(2) وذلك لتساوي الأفعال بالنسبة للإرادة من حيث التعلق بها.
(3) انظر، ابن تيميّة، أحمد، (منهاج السنة) ، جذ، ص 109.