إن ابن تيميّة ولد في ظرف سياسي كانت أحداثه المتسارعة لها دور في صياغة فكره وصقل شخصيته، فقد ولد عام 661 هـ أي بعد خمس أعوام من سقوط بغداد وبعد ثلاث سنين من انتصار المسلمين وعودة هيبة الإسلام لأهله بعد الجزع والهلع من التتر وما نتج عنهم من هدم وتخريب، وقد كان هدم الخلافة مسبوقًا بعدة أمور ساهمت في إضعاف الأمة والواقع السياسي، حيث ساعد الشيعي ابن العلقمي التتر في دخول بلاد المسلمين [1] ، وليس الحكم لكل الشيعة، وإنما لبعضهم الحاقد كابن العلقمي، كذلك فإن انهزام التتر على يد المماليك كان السبب الأكبر في توطيد الحكم المملوكي في البلاد، إذ كانوا السبب في زوال التتر، فكان لابن تيميّة مواقفه السياسية مع حكام عصره من المماليك فكان منهم الصديق ومنهم الكاره له.
كما لا ننسى أن ابن تيميّة قد عايش التتر في موجتهم الثانية عام 699 هـ في وقعة قازان، حيث انتصر التتر فيها على المسلمين، مما جعل كثيرًا من المسلمين يفرّ من الشام إلى مصر والكرك، مما دعا باقي أهل دمشق أن يدفعوا عن أنفسهم الخطر فعقدوا اجتماعا واتفقوا على طلب الأمان من قازان لأهل دمشق، وكان من أعيان دمشق ابن تيميّة رحمه الله، فكلم قازان كلامًا جيدًا عاد بالمصلحة على الإسلام وأهله يومها، هذا وقد استعصى على التتر نائب القلعة في دمشق فتحرز فيها واسمه أرجواش [2] ، وقد أيده ابن تيميّة على ذلك [3] ، وقد مر أهل دمشق في تلك الفترة بزمن عصيب حتى غادرها قازان وحولها ستون ألفًا من جنوده، وقد كان للإمام ابن تيميّة دور كبير في حث أهل دمشق على الصبر مواساتهم والتخفيف عنهم [4] ، وفي سنة 700 هـ قدم التتر إلى الشام ووقف ابن تيميّة يثبت الناس ويبعث فيهم الحماس ويذكرهم بوعد الله إذا هم جاهدوا وصبروا ورغّبهم بجهاد النفس والمال وذهب بنفسه مستنصرًا سلطان المسلمين في مصر فقال له"لو قدر لكم أنكم لستم حكام الشام واستنصركم أهلها لوجب عليكم النصر فكيف وأنتم حكامها وسلاطينها."مما قوى عزيمة السلطان فبعث بجيشه مددًا لجيش الشام، مما كان له الأثر الإيجابي في رد العدوان التتري، حيث رجعوا دون قتال [5] .
(1) انظر المصدر السابق، ج 13، ص 225.
(2) هو اسم لأحد قادة المماليك الذين لم يتركوا دمشق.
(3) انظر المصدر السابق، ج 14،ص 8،9.
(4) انظر المصدر السابق، ج 14، ص 12،13.
(5) انظر المصدر السابق، ج 14، ص 17،18.