في ذلك يجيب: انهم علموا قطعًا من ظاهر نصوص الشريعة مخالفة رأيهم، فخالفوا ذلك بحجة قصور الأفهام عن درك الحقائق، وانما قالوا ذلك لمصلحة عدم قدرة عقول الناس إدراك الأمور على حقيقتها [1] .
إذن فالإمام الغزالي يرى تكفيرهم لانهم كذّبوا النبي، أي أجازوا عليه الكذب بحجة ما يسمونه بالمصلحة. وهي عدم قدرة العقول على إدراك تلك الحقائق [2] . وهذا ما يذهب إليه الإمام ابن تيميّة ويصفهم بانهم أكفر من اليهود والنصارى [3] ،فإذا جاز لنا ان نسأل الإمام الغزالي ما هي النصوص التي جوزوا على رسول الله فيها الكذب برأيه؟
إن النص الذي يعول عليه في هذه المسألة حديث العمران بن الحصين [4] ونصه:"جاء نفر من بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا بني تميم أبشروا، فقالوا: بشّرتنا فأعطنا، فتغير وجهه فجاء أهل اليمن، فقال يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بني تميم، قالوا: قبلنا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن بدء الخلق والعرش، قالوا جئنا نسألك عن هذا الأمر، قال: كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض ... الحديث". وهو صريح في المسألة في مخالفة قول الفلاسفة. فهل يلزم من تكذيب هذا الحديث تكذيب للنبي، كما هو في رأي الإمام الغزالي؟
إن الحديث الوارد_ مع انه حديث صحيح _ حديث آحاد. فهل يلزم التكفير بإنكاره؟
من المقرر أن حديث الآحاد _ مع كونه صحيحًا _ يبقى ظنيًا، ومن القواعد المقررة عند الأشاعرة أنفسهم إن الظن لا يثبت إلا ظنًا، والفلاسفة عندما قالوا بتأخر العالم رتبة لا زمانا إنما قالوها لشبهة في أدلتهم العقلية، فهم عندما ينكرون النص إنما هم متأولون أو مخطئون. فالتأول حيث فهموا النص أو ردوه اعتبارًا لدليل العلة التامة في
(1) انظر، الغزالي، أبو حامد محمد، (الاقتصاد) ، ص 159.
(2) انظر، المصدر السابق، ص 157.
(3) انظر، ابن تيميّة، احمد، (مجموع الفتاوى) ، ج 5،ص 546.
(4) رواه البخاري، انظر، العسقلاني، ابن حجر احمد، (فتح الباري) ،ج 6، ص 288، كتاب بدء الخلق، رقم 3190، وأطرافه: 4365،4386،4418. الحديث في صحيح البخاري بروايتين"كان الله ولم يكن شيء قبله"وفي الثانية"ولم يكن شيء غيره". وورد عند غير البخاري:"كان الله ولم يكن شيء معه". والثالثة مروية بالمعنى. صرّح بذلك العلاّمة ابن حجر العسقلاني. انظر العسقلاني، ابن حجر احمد، (فتح الباري) ، ج 6، ص 289، بينما ذكر ابن تيميّة خطئًا إنها جميعًا مروية في البخاري. انظر، ابن تيميّة، أحمد، (الصفدية) ، ج 1، ص 15.