إن التحدي اللغوي الرئيسي هو في المجتمع الكردي نفسه، ونحن لا تقلل من عوامل البيئة المحيطة بالمجال الكردي أو التي تحكمه، ولا بعناصرها الفاعلة، لكننا نعيد ترتيب أولويات النظر إلى اللغة والبناء الغوي واعتبارات تحليل الواقع الثقافي الراهن، ذلك أن التشكيل اللغوي واللهجات المتعددة سابق على الانقسام الجغرافي والتوزيع بين الكيانات السياسية الراهنة، ومن ثم قد يكون سببا له، أو أحد أسبابه، وقد يكون نتيجة له أيضا (1)
ويعتبر (اللوريين والبختياريين) الناطقين بلغات قريبة من الكردية، أنفسهم بعيدين عن الانتماء للقومية الكردية، رغم مزاعم القوميين الأكراد الأكثر تطرفا بان (اللوريين والبختياريين) أكرادة. بالمقابل نجد أن الناطقين بالكورانية والزازائية) اعتبروا أنفسهم، على مدى قرون أكراد، مثلما أن جيرانهم الناطقين بالكردية، علاوة على المؤلفين العرب والأتراك، اعتبروهم أكرادة أيضا، رغم أن هاتين اللغتين غير مفهومتين عند الناطقين بالكردية الأصلية (2) . بل إن (الكرمانجية والسورانية) ، وهما اللهجتان الأساسيتان في الكردية، تفتقران إلى الفهم المتبادل، فالسوراني لا يفهم الكرمانجي، والكرمانجي لا يفهم السورانية.
وقد تضم اللغة الواحدة عدة لهجات محلية، تدفع المتحاورين من مناطق مختلفة إلى تفضيل التواصل في اللغة التركية أو الفارسية أو العربية، بسبب صعوبة فهمهم الكردية بعضهم. إن اللهجات الكردية المتنوعة تعرضت في البلدان التي يسكنها الأكراد إلى تأثيرات كبيرة من اللغات الرسمية في تلك البلدان، من ناحية المفردات، والنحو والصرف أيضأ (في حدود معينة) ، وهكذا فإن اللهجة المحكية الواحدة على جانبي الحدود بين الدولتين أخذت تفترق تدريجيا إلى لهجتين. ولعل عوامل التهديد اللغوي ومخاوف الهوية ترتبط بالمعنى العميق للسياسة في المنطقة، من جهة العلاقة بالثقافة والتكوينات الإثنية، ومن جهة توسل القوة والعنف المادي والرمزي، تجاه ما يعتبر تهديدا. وهذا ينطبق على حال الأكراد، خصوصا في ما يتعلق باللغة، إذ تشكل الأخيرة ساحة من ساحات المواجهة الرمزية والمادية على امتداد المنطقة، وأن بدرجات متفاوتة، وأقترن ذلك أحيانا بعقوبات لردع مستخدمي لغات غير معترف بها أو غير مصرح بها، وهناك من يعد توسل لغة أخرى بمنزلة فعل خيانة ل (الأمة)
(1) عقيل سعيد محفوض، الأكراد واللغة والسياسة: دراسة في البنى اللغوية وسياسات الهوية، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013 م) ، ص 105
(2) مارتن فان بروينسن، الأكراد وبناء الأمة، (مرجع سابق، ص 14.