دفع تواجد الأكراد بين الدول (تركيا - إيران - العراق - سوريا إلى النزاع فيما بينها والصراع على طول الحدود من جانب، وحول ما يشكله الأكراد من إخلال بتوازن القوى من جانب أخر. ولم تفلح المعاهدات والاتفاقيات بين دول الجوار في القضاء على تلك المنازعات حتى ولو بدت آثارها الإيجابية لحين من الوقت، إذ سرعان ما تزول آثارها تبعا لتغير القوى الحاكمة وفق موازين القوة التي تجبر الجانب الضعيف أحيانا على قبول الأمر الواقع، فإذا ما استرد قواه وعادت عافيته نشط لاستعادة ما سبق وتنازل عنه.
1 -استخدام إيران للأكراد في تحقيق مصالحها:
خلال المرحلة التاريخية الممتدة ما بين عامي (1971 - 1974 م) ، حدثت مجموعة من المتغيرات الإقليمية التي ساهمت في توتر العلاقات بين إيران والعراق (1) . وإزاء حدة المعارك بين الأكراد والسلطة العراقية عام 1974 (2) ، حاول العراق الوصول إلى تفاهم مع إيران على
(1) أقترح رئيس الجمهورية العراقية (أحمد حسن البكر) ، إنشاء حلف دفاعي تشترك فيه الدول العربية في الخليج، ورفضته كل من السعودية والكويت تشكيكة في النوايا العراقية، ورأت إيران المشروع استبعادا واضحا لها ورأت بأن العراق الذي لا يبلغ طول سواحتله على الخليج أكثر من ستين كيلو متر، قد تجاهل إيران التي يبلغ طول سواحلها على الخليج ما يزيد على 850 کيلو مترا، فجابهته بشدة. وسرعان ما توترت العلاقة بين الطرفين إلى مناوشات حدودية من الجانب العراقي في 10 إبريل 1972، ردا على قيام إيران بتجهيز الأكراد في العراق بالأسلحة الثقيلة. وفي عام 1973 زادت حدة التنافس بين الطرفين بسبب اعتقاد إيران أن الروس وراء الحملة المنظمة لتقسيم باكستان ورفع موقع الهند لتحتل الهيمنة في المحيط الهندي في الوقت الذي يدعون فيه إلى التخريب في جبهة إيران الغربية، مما حثها على التوثب نحو العراق بإثارته سياسية في حين كان بدوره ساخطة على الدعم الأمريكي لإيران. هذا الأمر أدى إلى اندلاع اشتباكات على الحدود في فبراير 1974، وتم التوصل إلى وقف إطلاق النار بواسطة الأمم المتحدة في مارس 1974. وللمزيد أنظر: محمد الطاهر محمد، القضية الكردية وحق تقرير المصير الاستقلال - الحكم الذاتي - الفدرالية، (القاهرة: مکتبة مدبولي، 2008 م) ، ص 106.
(2) في خريف (1968) ، نشب القتال بين قادة الحركة الكردية (قوات مصطفى البارزاني من جانب وقوات جلال الطالباني وإبراهيم أحمد من جانب أخر) ، وكان الطالباني مدعوم من الحكومة العراقية والبارزاني مدعوم من إيران، وأدى هجوم البارزاني إلى انسحاب الطالباني والجيش العراقي، الأمر الذي سمح للبارزاني بقصف حقول نفط كركوك أملا في إشغال القوات العراقية عن منطقة الحدود الإيرانية لغرض إدامة الخطوط اللوجستية مع إيران. وأعلنت إيران من جانبها في إبريل 1969 عن فسخ معاهدة الحدود الإيرانية العراقية 1937 والخاصة باقتسام مياه شط العرب. وأدرك العراق ضرورة التوصل إلى حل للمشكلة الكردية بغية قطع الطريق أمام تأثيرات النفوذ الإيراني على الحركة الكردية، وتم توصل الطرفين إلى عقد إتفاق تم الإعلان عنه في بيان 11 مارس 1970. وفي 14 مارس 1974 تجدد القتال بين الأكراد والحكومة العراقية بعد أن أعلن العراق قانون الحكم الذاتي في 11 مارس 1974 الذي لم يرض القادة الأكراد الذين اخذوا موقف متصلب واستعدادهم للدخول في صراع طويل مع الحكومة العراقية، ويرجع هذا الموقف المتصلب من جراء الدعم الخارجي الكبير الذي حصل عليه البارزاني وحركته المسلحة من إيران وحليفاتها الولايات المتحدة وإسرائيل. وللمزيد أنظر: جيف سيمونز، عراق المستقبل السياسة الأمريكية في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، (بيروت: دار الساقي، 2004 م) .