فأخذنى من أمرى ما تقدم وما تأخر، وخشيت أن ينزل فيّ القرآن العظيم لعظيم ما صنعت، فلما أصبحنا بالجعرانة خرجت أرعى الظهر [1] وما هو يومى، فرقًا أن يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - وحى، ورسول الله يطلبنى، فلما روّحت الركاب سألت، فقالوا طلبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فجئته وأنا أترقب فقال: إنك أوجعتنى برجلك فقرعتك بالسوط، فخذ هذه الغنم عوضًا من ضربتى. قال أبو رهم: فرضاه عنى كان أحب إليَّ من الدنيا وما فيها.
وكان عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي [2] يقول: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسيره (أي من الطائف) وهو يحادثنى، فجعلت ناقتى تلتصق بناقته، وكانت ناقتى شهمة [3] فجعلت أريد أن أنحيها فلا تطاوعنى، فلصقت بناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصيبت رجله فقال: (أخ) أوجعتنى، فرفع رجله من الغرز كأنها جمارة [4] ، ودفع رجلى بمحجن في يده، فمكث ساعة لا يتحدث، فوالله ما نزلت حتى ظننت أن سينزل في عذاب، قال: فلما نزلت قلت لأصحابى: إني أرعى لكم، ولم يكن ذلك يوم رعيتى، فلما أرحت الظهر عليهم قلت: هل جاء أحد يبغينى؟ فقالوا: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء يبغيك. فقلت في نفسي: هي والله هي، قلت: من جاء؟ قالوا. رجل من الأنصار. قال: فكان أكره إليّ، وذلك أن الأنصار كانت فيهم علينا غلظة. قال: ثم جاء بعده رجل من قريشى يبغينى. قال: فخرجت خائفًا حتى واجهت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل يبتسم في وجهى. وقال: أوجعتك بمحجنى البارحة. ثم قال: خذ هذه القطعة من الغنم فأخذتها فوجدتها ثمانين شاة ضائنة [5] .
كذلك حدث أبو زرعة الجهني [6] فقال: لما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن
(1) الظهر (بفتح أوله وسكون ثانيه) : الإبل المعدة للركوب.
(2) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة خيبر) .
(3) ناقة شهمة: أي جلدة.
(4) الجمارة (بضم الجيم) قلب النخلة وشحمتها، شبه ساقه ببياضها.
(5) الضأن من الغنم: ذو الصوف، والأنثى ضائنة.
(6) قال في أسد الغابة: هو أبو زرعة القزعى الرمالى أخرجه ابن طرخان في وحدان الصحابة، روى عن يحيى بن الإِصبع بن مهران القزعى من خثعم، حدثني خزام بن عبد الرحمن عن أبي زرعة القزعى =