غير أن قائد غطفان (عيينة بن حصن الفزاري) لم يجد من الحياء ما يمنعه من أن يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - إعطاءه من غنائم خيبر، فقد قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: أعطنى يا محمد مما غنمت من حلفائي فإني انصرفت عنك وعن قتالك وخذلت حلفائى ولم أكثر عليك ورجعت عنك بأربعة آلاف مقاتل.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كذبت، ولكن الصياح الذي سمعت أنفرك إلى أهلك قال: أجزنى يا محمد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: لك ذو الرقبة، قال عيينة: وما ذو الرقبة؟
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: الجبل الذي رأيت في النوم أنك أخذته.
وكان عيينة بن حصن رأى في المنام (وهو بجيشه دون خيبر) أنه أعطى ذا الرقبة - جبلا بخيبر - وعندها تفاءل قائلًا: قد والله قد أخذت برقبة محمد.
قال الواقدي: فانصرف عيينة فجعل يتدسس إلى اليهود ويقول: ما رأيت كاليوم أمرًا، والله ما كنت أرى أن أحدًا يصيب محمدًا غيركم، قلت: أهل الحصون والعدّة والثروة، أعطيتم بأيديكم (أي استسلمتم) وأنتم في هذه الحصون المنيعة وهذا الطعام الكثير ما يوجد له آكل، والماء الواتن [1] ! قالوا: قد أردنا الامتناع في قلعة الزبير [2] ولكن الدبول [3] قطعت عنّا، وكان الحر، فلم يكن لنا بقاء على العطش، قال: قد ولّيتم من حصون ناعم منهزمين حتى صرتم إلى قلعة الزبير، وجعل يسأل عمن قتل منهم فيخبر، فقال: قتل والله أهل الجد والجلد، لا نظام ليهود بالحجاز أبدًا.
(1) الواتن: المستمر دونما انقطاع.
(2) قلعة الزبير هي الحصن الثالث والأخير من حصون النطاة في القسم الأول من مدينة خيبر.
(3) الدبول: جمع دبل، وهو مجرى الماء.