فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 102

الأمر الثالث:

أن الوسائل اللازمة للخروج من المأزق الحضاري الذي نعيشه متعددة، فعندنا التعليم وعندنا الإعلام، وعندنا المؤسسات والفعاليات الثقافية الأخرى، وهناك الجهات العلمية المهتمة بقضايا الفكر والثقافة في حقل التربية وصياغة الوعي العام؛ مثل الندوات والمؤتمرات ونحوها.

وهذه الوسائل المتعددة تتكامل أو ينبغي أن يكون الأمر كذلك، لكن تكاملها يتوقَّف على فهم القائمين على كل منها، وخطتهم للإسهام في إنجاز المهمة المشار إليها.

ولأن هذا التفصيل فوق خطة هذا البحث، فإننا نعتبر التعليم أساسًا لكل الوسائل الأخرى، ونرى أن ما نشير إليه في مسألة التعليم يمكن اعتباره في الوسائل الأخرى، وبالنسبة للتعليم نشير إلى حقائق ينبغي استحضارها ونحن نعالج فاعلية التعليم في الخروج من الأزمة الفكرية للأمة.

الحقيقة الأولى:

أن الفكر الإسلامي شهد خلال عصور ازدهاره وحدة فكرية تمثلت في جو الحوار والمناظرة، والجدل العلمي الذي أسفر عن علوم ومعارف كان لها شأنها في عقل الأمة والأمم الأخرى، دون أن يقلِّل هذا من جو الاجتهاد وتعدد الآراء.

وقد كان ذلك نتيجة للتربية التي كان يتربى عليها العلماء ومثقفو الأمة، باعتبارهم روادًا يعلمون غيرهم، ويأخذون بيدهم نحو الفكر الموحد نظرًا للالتقاء على مصدر ومنهاج موحدينِ.

وقد امتلك علماء الأمة آليات توحيد الفكر لأنهم؛ حفظوا قدرًا من القرآن، وعلمًا بالسنة، شكل عقلهم وحدَّد اتجاههم وموقفهم من العلم والتعلم للأمة، وهذا الفكر هو الذي جمع بين العقل والنقل ومقتضيات العصر والاحتكاك بالثقافات المجاورة، وكان هذا الانفتاح رافدًا مهمًّا من روافد المعرفة عند علمائنا؛ لذا أبدعوا وأضافوا، وقادوا الأمة نحو شخصية مستقلة قوية تأخذ دون أن تفقد ذاتها وهُوِيتها، واتصل بهذا ما أشرنا إليه من وجود مناظرات بين العلماء دون أن يتحول ذلك إلى اختلاف يمزق وحدة الأمة ويجهض مصلحة الجماهير المسلمة [1] .

وبمقدار ما تبرز هذه الحقيقة دور التعليم والتربية بقدر ما تلقي على التعليم المعاصر مسؤوليَّةَ الاستفادة وتحديد الهدف من دراسة تراثنا في هذا الجانب الذي برز في بحث الأسلاف لقضايا التعليم والتعلم، وما يتَّصل بهذا من مسائل الكتب ونحوها [2] .

(1) انظر: الرازي، أدب الشافعي ومناقبه، 24 تحقيق عبدالغني عبدالخالق، الذهبي، سير أعلام النبلاء، 10/ 85، أبو اليزيد العجمي، فقه العقيدة عند الشافعي وأحمد، 112، ابن خلدون، شفاء السائل لتهذيب المسائل، 65، تحقيق محمد بن تاويت.

(2) نشير فقط إلى: أخلاق العلماء للآجري، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر، وأدب الدنيا والدين للماوردي، والذريعة للراغب الأصفهاني، وتذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة، وغيرها كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت