فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 102

الصوفية، وقد استَعدى هؤلاء الصوفيةُ بعضَ الحاقدين على شيخ الإسلام فاتَّهموه بآراءٍ في العقيدة تخالف منهجَ السلف، وحكَّموا فيه خصومه وساقوه إلى الحبس [1] ، ولكنه لم يكفَّ عن بيان الحق لهم ولغيرهم، وما كان هذا ليمنعه من أداء رسالته؛ فقد التقى بمتصوفٍ في القاهرة يدعى إبراهيم القطان، وكان مخالفًا للسنَّة في مظهرِه، وكان يأكل الحشيشة التي تُغيِّب العقل، فأرشده ابن تيمية إلى الحق، ونهاه عن كل المخالفات حتى يتعرَّض لفضل الله ورحمته، وغير هذا كثيرون ممن تُظهِر أقوالهم وأعمالهم فسادَ المعتقد، أو غش الأمة والتلبيس على أهلها، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ثالثًا: انحراف بعض العلماء:

ذلك أنَّ هذا العصر ضمَّ اتجاهات مختلفة، يغلب على معظمها التقليدُ للسابقين، وبخاصة في العقائد، الأمر الذي يظهر في بعض الشروح التي وصلت إلينا من هذا العصر [2] ، لكن هذا لم يمنع من وجود بعض الفلاسفة، وأصحاب النزعة الفلسفية في التصوف، بما تحويه من اعتقادات مخالفة لعقيدة السلف الصالح، وهذا وذاك كان لهما الأثر في وجود بعض الانحرافات في سيرة العلماء، وموقفهم من الإصلاح والدعوة في تنقية العقيدة مما شابَها مِن بدع وأهواء، ولكن أقسى شيء في هذه الانحرافات هي أن يتدنَّى العلماء إلى تدبير المكايد بعضهم لبعض؛ طلبًا للجاه والسلطان، وما ذلك إلا لأن بعض العلماء كان خادمًا لاتجاه سياسي عَلا أو هبط، وهذه بعض مظاهر الفساد في الموضع الذي يرجى منه الإصلاح:

• فقد امتُحِن ابن تيمية من جماعة الفقهاء حين أشاعوا غير الحق عن كلامه لأهل حماة، في كتابه المسمى بالعقيدة الحَمَوِية، ولَمَّا أراد ابن تيمية أن يناظرهم وأرسل لهم الأمير هرَبوا ولم يحضروا، وظلَّ الأمر كذلك حتى عقد ابن تيمية مجلسَه يوم الجمعة عند جماعة من الفضلاء، وبحثوا في الحموية وناقشوه فيها، فأجاب عنها بما أسكَتَهم بعد كلام كثير [3] .

فانظر كيف يُشِيع العلماء - وهم أهل الحق - باطلًا لينالوا به مِن عالم ظنوه يزاحمهم على الدنيا، والرجل مِن هذا الأمر براءٌ، كما تشهد سيرته ومحنته.

فإذا أضفنا إلى هذا ما سجَّله ابن كثير في حوادث عام (701 هـ) ، كانت النكبة أشد فيما وصل إليه العلماء، وفي هذا الشهر (شوال) ثار جماعةٌ من الحسدة على الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وشكوا منه أنه يقيم الحدودَ، ويعزر ويحلق رؤوس الصبيان، وتكلم هو أيضًا فيمن يشكو منه ذلك، وبيَّن خطأهم، ثم سكنت الأمور [4] .

(1) السابق/ 14/ 31 - 33.

(2) أبو زهرة/ تاريخ المذاهب الإسلامية/ 2/ 453.

(3) البداية والنهاية 14/ 4.

(4) البداية والنهاية/ 14/ 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت