• وقد استمرَّ هذا الاتجاه حتى العصر الحاضر؛ حيث مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب [1] ومَن تتلمذ على هذه المدرسة، كما هو واضح في الرسالة المسماة (نجاة الخلف في اعتقاد السلف) - للشيخ أحمد بن عثمان بن قائد النجدي (1097 هـ) .
وهذا الحشد الهائل مِن المصنفات التي تمثل اتجاهًا يُعْنَى ببيان عقيدة السلف الصالح، يوحي بسؤال مُؤدَّاه: لماذا كل هذا الاهتمام بعقيدة السلف، وهي موجودة في الكتاب والسنة؟
وبلفظ آخر: ما البواعث التي أدَّت إلى جعل هذا الاتجاه ظاهرًا في تاريخ الفكر الإسلامي؟
للإجابة على هذا السؤال نقول:
لا بد أن نُدرك أن مرحلتينِ تتشابهانِ إلى حدٍّ كبير، مرَّ بهما الفكر الإسلامي، فكانت الظروف في المرحلتين باعثةً على هذا الاهتمام بعقيدة السلف الصالح، ولا بد للأمر من بيان المرحلتين يسبقهما تحديد لمصطلح السلف والخلف.
كثر استعمال هاتين اللفظتين في صورة الاقتران والعطف؛ فقد يُراد بهما مجرَّد الدلالة اللُّغوية التي تَعني السبق والمتابعة، فسلف بمعنى سبق وتقدَّم، وبمعنى مضى وانقضى، وسلف السائر سلفًا؛ أي: تقدَّمه وسبقه.
وأما خلف، ففي المعجم: خلف فلانًا خلفًا: جاء بعده فصار مكانه، وفي القرآن الكريم: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة: 95] ، {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم: 59] ، وكذا الخلف: العِوَض والبدل [2] .
وقد حملت بعضُ الكتب أسماءً تُؤدِّي هذا المعنى اللُّغوي؛ مثل:
• (صلة الخلف بموصل السلف) لمحمد بن سلمان المغربي (1094 هـ) ، والكتاب عبارة عن ثبت بأسماء كُتُب ألَّفها السابقون من العلماء، وهي تفيد الذين أتَوا بعدهم [3] .
• وكذلك كتاب ابن رجب الحنبلي (بيان فضل السلف على الخلف) ، وفيه عدة رسائل في باب العلم والآداب، كما يحوي كلامًا موجزًا في العقائد [4] .
(1) انظر: مؤلفات الشيخ ابن عبدالوهاب/ طبعتها جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية بمناسبة أسبوع الشيخ.
(2) المعجم الوسيط 1/ 250، 446، وانظر: محمد فريد وجدي، دائرة المعارف، 5/ 229.
(3) مخطوط بجامعة الإمام محمد بن سعود، تحت رقم 3874.
(4) مخطوط بجامعة الإمام محمد بن سعود، تحت رقم 3292.