فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 102

ب - الاهتمام بنوع العلم الذي نحرص عليه؛ لأن العلم في الإسلام طريق جيد للتغير نحو الأفضل، وتحقيق لرسالة الإنسان في الخلافة والعمارة والعبادة، وحرص الإسلام أن يقسم العلم إلى قسمين: قسم حرمه؛ لأنه لا يقدم نفعًا للمسلمين، وقسم حث على تعلمه وأكد على ذلك.

أما الأول، فكالسحر؛ لأنه باطل مفسد، ولأنه ليس علمًا حقيقيًّا، وإنما حقيقته خداع للأعين والمشاعر، فهو عبارة عن إيماء وحركات سريعة يخيل للناظر أنها حقيقة، وليس الأمر كذلك [1] ، ويتصل بالسحر ما يشبهه من الكهانة والعرافة؛ لأن ذلك كله ليس علمًا حقيقيًّا ولا يقدم خيرًا للناس.

وقد حرَص عماؤنا على بيان ذلك حين تكلموا عن العلم النافع والعلم المذموم [2] ؛ لأنهم كانوا يعرفون قوله تعالى: {فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81] ، وكذا الآيات التي في معناها، وكانوا يعلمون قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الساحر: (( إنه ليخيل إليك أنه فعل شيئًا وما فعله ) ) [3] ، وما دار في معناه من أحاديث تنهى عن السحر والكهانة والعرافة، ويلحق بالسحر كذلك علم الجن لادِّعاء معرفة الغيب عن طريق الاتصال بهم، وكذا كل ما يشبهه من معارف لا تفيد الناس، بل تخيل إليهم وتلبس عليهم.

أما العلوم النافعة، فقد حثَّ القرآن الكريم على تعلُّمها، ابتداءً بعلوم الدين، دون أن يغفل علوم الدنيا، ولعل في إشارة القرآن إلى أهمية العلم، وضرورة تعلمه وتعليمه، وبيان قيمته، وبيان منهجه في ذلك، وبيان روافد المعرفة، لعل في كل هذا ما يظهر انطلاق علمائنا من تصور الإسلام لرسالة العلم في الحياة، ثم ربطهم العلم بحياة الناس، ولعل تاريخ العلوم عند المسلمين، وتاريخ الحضارة الإسلامية في المشرق والمغرب يؤكِّد صحَّةَ ما ذهبنا إليه وما نؤكده لنفيد منه ونحن نتخير مناهجنا نوعًا وكمًّا، وملاءمة السن والبيئة، وقد كتب علماؤنا من فقهاء الأصول في هذا كلامًا جديرًا بالتأمل والملاحظة [4] ؛ لأنه يفيد في اختيار كيف العلم وكمِّه لخدمة التنمية في مجتمعاتنا الإسلامية.

إن كثيرًا من مشكلات الدول النامية تكمن في أن العلم النظريَّ تغلَّب على العلم العملي، وقد ورثنا بعض المفاهيم الخاطئة تجاه الحِرَف والصناعات، حتى عَدَّ بعض العرب العمل عيبًا، ولكن نظرة الإسلام

(1) مقداد يالجن، توجيه المعلم في ضوء الفكر الإسلامي، 203، (دار المريخ، الرياض) .

(2) الغزالي، الإحياء، 1، 17 م.

(3) فتح الباري 12، 247 كتاب الطب، طبع دار الإفتاء الرياض.

(4) الشاطبي الاعتصام والموافقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت