فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 102

المطلب الثاني

مقومات الوحدة الفكرية بين المسلمين

أشرنا فيما سبق إلى أن لكل حضارة غيبها ومعتقداتها التي تمثل المبادئ والضوابط الحاكمة لحركة الفكر فيها بحثًا عن حلول لمشكلات واقعية، وقلنا: إن الحضارات تتمايز بمقدار اتساق المبادئ مع حركة الفكر شمولية ومرونة في ضوء منهاج للمعالجة.

والحضارات الإسلامية عبر تاريخها الطويل - وقبل تغلغل النمط الغربي في تعليمها وإعلامها ونُظُمها - كانت ككل الحضارات لها مبادئها التي تمثل العقيدة وتصور الإسلام للإنسان والكون، وكان لها اجتهادات - وَفْقَ منهاج متميز - فأخذت سمتها التي عرفت به، وخصائصها التي ميزتها عن غيرها، ثم كان ما كان من أمر التفريغ الثقافي، وحالة الانفصام بين الفكر والمبادئ، فإذا أريد للنهضة المعاصرة أن تنبني على فكر موحد المصادر والمنهاج، فإن ذلك لا يمكن أن يتحقق دون أن يعيش المسلمون وحدة المصادر ووحدة المنهاج.

وحدة المصادر:

تشترك كل الثقافات في أن الدين بمعناه العام - الذي هو فطرة الإنسان - يشكل عنصرًا محوريًّا فيها، ثم بقدر شمول هذا الدين لما يحفظ على الإنسان إنسانيته، وبقدر تغلغله إلى أغوار النفس تغلغلًا يضبط الأهواء بإرادة واعية بهذا الضبط، بقدر هذا كله تكون قوة العواصم التي تعصم صاحبها من كل عيب فادح في النظر أو التطبيق.

وهذا (الأصل الأخلاقي) - كما يسميه الأستاذ محمود شاكر - هو (العامل الحاسم الذي يمكن لثقافة الأمة بمعناها الشامل أن تبقى متماسكة مترابطة تزداد على الأيام تماسكًا وترابطًا، بقدر ما يكون في هذا(الأصل الأخلاقي) من الوضوح والشمول والتغلغل والسيطرة على نفوس أهلها جميعًا) [1] .

وهذا (الأصل الأخلاقي) ليس قواعد عقلية ينفرد العقل بتقديرها ابتداءً من عند نفسه؛ لأنها تتعلق بالإنسان بالدرجة الأولى، والإنسان كائن متعدد الجوانب، معقد النواحي، شائك السلوك، يحتاج قوة أكبر من مداركه وفهمه تضع له الأصول والضوابط، (فالقواعد العقلية المجردة لا تكاد تقوم بهذا العبء كله، بل العقائد وحدها هي صاحبة هذا السلطان على هذا الإنسان) [2] .

وقد اهتمَّ المسلمون بهذا الأصل الأخلاقي واعتنوا به فحُفِظت الثقافة الإسلامية متماسكة رغم ما يمر بها من إحن ومحن، بل أنتجت علومًا اهتمَّت بهذا الأصل كأدب العالم والمتعلم، والفقيه والمتفقه، وعلم

(1) شاكر، رسالة الطريق إلى ثقافتنا، 48، 49.

(2) السابق: 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت