المطلب الثاني
حقائق حول علم الأخلاق عند المسلمين
بدأ الاهتمام بالأخلاق في الإسلام في مظاهرَ شتى، ومن زوايا عديدة، إلى حد جعلها دِينًا؛ إذ فسَّر بعض المفسرين {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ؛ إنك على دين عظيم [1] .
ومِن مُنطلق الأخلاق ضرورة اجتماعية، وضرورة حضارية، كان اهتمام الإسلام في مصدريَّة الكتاب والسُّنة بربط الأخلاق بالعقيدة، وفي رسمِ الصورة المُثْلى للشخصية الخلقية، وبيان حقيقة الإلزام والالتزام، وكان في هذه المبادئ ما يرد على أولئك الذين حاولوا أن يجرِّدوا القرآن والسنَّةَ من عطائهما الفكري والعقدي في آنٍ معًا، وفي الرد من خلال الآيات والأحاديث دحضٌ لكثير من الأفكار التي نثرها الاستشراق، فأصاب منها بعض أصحاب الدراسات المعاصرة.
وإذا كان هذا الاهتمام يثير سؤالًا مُؤدَّاه: هل أوجد هذا الاهتمامُ فكرًا أخلاقيًّا له منهجه وخصائصه؟
فإن الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن تضع نصب عينيها الحقائق التالية:
أولًا: كان النص الإسلامي في الأخلاق كافيًا في المرحلة الأولى (عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم) ؛ حيث فهِم المسلمون منه قواعد السلوك، ومعاييرَه تبعًا لفهمهم الدَّقيق للفظ النصِّ الإسلامي، ووَعْيهم بأحكامه ومعانيه، لكنهم لم يكونوا بحاجةٍ إلى جلسات دراسة حول القيمة أو المعيار أو ما يشبهها من مصطلحات.
لكن ذلك لم يكن مانعًا لهم مِن التفكُّر حول المسائل الأخلاقية وقواعدها حين يقتضي الأمر ذلك، فحين جدَّت على ساحة المسلمين أحاديثُ حول الإيمان والعمل، والحكم في مرتكب الكبيرة، والجبر والاختيار، وغيرها من القضايا التي قد تبدو قضايا عقدية، وهي في حقيقتها قضايا أخلاقية، حين ذلك وُجِد عند المسلمين الفكرُ الأخلاقي في مرحلة مبكرة، أي: قبل نهاية القرن الأول الهجري، وحسبنا أن نذكر رسالةً للحسن البصري ت 110 هـ، تُسمَّى (فرائض الإسلام) ، تعتبر أقدم ما وصلنا مِن عمل اليوم والليلة في الفكر الأخلاقي، وتبِعها في مجالها أعمال مماثلة ومشابهة؛ مثل الزهد لابن مبارك، والزهد للإمام أحمد حنبل، والأدب المفرد للبخاري، ويلحق بها ما جاء في بابها مِن اتجاه المحدِّثين في رصد النصوص والتذكير بها خطوة على طريق التذكير وإعادة الناس إلى مستوى أمثل.
ثانيًا: هذا الفكر مرَّ بمراحل تُمثِّل نموَّه وحركته، فقد بدأ باهتمام المحدِّثين بمكارم الأخلاق وعمل اليوم والليلة [2] ، ثم اتَّسَعت الدائرة فشمِلت موضوعات أخرى لدى الفقهاء والمتكلمين؛ كالحسبة ونظامها،
(1) ابن تيمية/ الفتاوى، 10/ 127، طبعة دار الإفتاء بالرياض.
(2) نذكر من هذا: فرائض الإسلام للحسن البصري، ومكارم الأخلاق للطبراني، وعمل اليوم ولليلة للنسائي، وغير هذا.