الشافعي: ذاكرت محمد بن الحسن يومًا، فقال لي: صاحبنا - يعني أبا حنيفة - أعلم من صاحبكم - يعني مالكًا - فقلتُ له: الإنصاف تريد أم المكابرة؟ قال: الإنصاف.
قلت: ناشدتك بالله الذي لا إله إلا هو، مَن أعلم بكتاب الله وناسخه ومنسوخه؟ قال: اللهمَّ صاحبكم، قلت له: فمَن أعلم بسنَّة رسول صلى الله عليه وسلم؟ قال: اللهم صاحبكم، قلت له: فمن أعلم بأقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: اللهمَّ صاحبكم، قلت له: فلم يبقَ إلَّا القياس، قال: صاحبنا أقيس، قلت: المقياس لا يكون إلَّا على هذه الأشياء، فعلى أي شيء يقيس؟ ونحن ندَّعي منه لصاحبنا ما لا تدعونه لصاحبكم، وفي بعض الروايات: وصاحبنا لم يذهب عليه القياس، ولكنه يتوقى ويتحرى، ويريد يتأسى بمن تقدمه) [1] .
وهنا نشير إلى نقطتين مهمتين:
الأولى: أن الشافعي كان يجلُّ محمد بن الحسن إجلالًا يليق بقدره شيخًا صديقًا وعالِمًا جليلًا، وقد كان يحاول ألا يناظره إلا حين يكون الأمر داعيًا لبيان حق أو إزالة الْتباس، وهو يعترف صراحةً بتلمذته لمحمد بن الحسن، وبأنه اشترى من كتبه حمل بعيرٍ، فقرأ وتعلم [2] ، لكن ذلك التقدير لا يمنع من أن يدور الحوار حول مسألة من مسائل العلم وَفْقَ أدب الاختلاف واحترام الرأي الآخر.
النقطة الثانية: أن حبَّ الشافعي لمالك رضي الله عنه لم يمنعه من مخالفته في بعض المسائل، وبخاصة حين وجد بعض الناس في الأندلس يستسقون بقلنسوة مالك، ويعارضون أحاديث رسول صلى الله عليه وسلم بأقواله، فمالك شيخه، لكن حبه للحق فوق كل حب وميل [3] .
إن نهضة تتغيَّا إصلاح المسار لهذه الأمَّة لا بد أن تأخذ في اعتبارها الارتباط بالأصول العقدية ومنطلقات الفكر لهذه الأمة دون أن تغفل قراءة الواقع قراءة صحيحة، تأخذ في اعتبارها سنن التاريخ أو بمعنى آخر سنن الله في خلقه، وظروف الاجتماع البشري في عصرنا بما يفرضه من صلة واحتكاك وتفاعل.
وهذه الملاحظات وغيرها مما يساندها ضروري، وطموحات المسلم المعاصر تستهدف تقديم مشروع ثقافي أو حضاري لهذه الأمَّة، كي يخرجها من دائرة الاتباع، بل ربما إلى الافتتان بكل نمط غربي غزا حياتها لسبب أو لآخر، وإذا كان لنا أن نركز الإشارات - في باب حاجة المسلم المعاصر إلى وحدة فكرية منطلقها مصادر الإسلام ومنهاجه - فإننا نشير إلى ما يلي:
(1) القاضي عياض، ترتيب المدارك، 1/ 151، أبو نعيم الأصفهاني، حلية الأولياء، 6/ 329.
(2) الرازي، أداب الشافعي ومناقبه، 160.
(3) أبو زهرة، الشافعي، 39، وانظر: أبو اليزيد العجمي: الفقهاء وبحوث العقيدة الإسلامية، 142 دار الهداية، مصر، فقه العقيدة عند الشافعي وأحمد، 131، دار الصحوة - مصر.