فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 102

أولًا: الارتباط بالأصول يفيد في تفسير الواقع المتردِّي للأمة تفسيرًا صحيحًا، وهذا التفسير طريق لا بد منه لمن يريد إصلاح الأمور، وتقويم المعوج منها؛ ذلك أن التخلف الذي تشير إليه وتؤكِّده طاقات معطلة لا تقدم في مجال فهم الإسلام أو العمل به شيئًا ذا بال، فضلًا عن أن كسالى هذا الفهم والعمل قد يحملون الإسلام ما ليس منه، فيؤتي الإسلام من قِبَلهم، وتلصق به تهم من خلالهم، وهو منها براء، ولا مخرج من هذا المأزق إلا بفهمٍ حق للعقيدة والفكر اللذين جعلهما الإسلام منطلق حركة، وأسس عمران، (والدين قد يحمل أوزار التخلف والجمود) - التي تلمح في بعض البيئات - لو أن نصوصه هَوَّنتْ من قيمة السعي، أو رغبت الناس عنه، أو لو أن ما بقي في النفوس بعد تلاوة آياته يوحي بالاستكانة والركود.

لكننا نتدبَّر القرآن كله، فلا نجد دعوة أحرص من دعوته إلى الإيمان والإحسان والإصلاح، ونتدبر سيرةَ الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا نجد رجولةً تدانيها في الكفاح والدأب والمصابرة إلى آخر رمق، ونتدبَّر الأمة العربية التي ظهر فيها هذا الدين - الإسلام - فنجد أمَّةً انطلقت بغتة بعد وقوف طويل، وبرزت بعد خفاء مهين.

ولم يكن الوقود الذي أشعل حركتها وأطلق ثورتها إلا هذا الدين.

نعم هذا الدين وحده، فعن طريقه أبصرت النورَ وأنشأت المدنيات، ثم هي لم تذق - هي وحدها - طعم الحياة الراقية في ظله، بل أذاقته أممًا في الشرق والغرب كانت مواتًا بالية، حتى جاء هذا الإسلام فمنحها الحياة والرقيَّ والقوة [1] .

وإذا كان الإسلام في أصوله هكذا، فإن تطبيقه في القرون الأولى قد أنتج ارتقاءً وحضارة في شتى المجالات، واستجابة لحثِّ الإسلام على العلم، وحرصه على العمل، ونهجه في الارتقاء بالإنسان، ليكون رحمة للعالمين؛ لذا فإن واقعنا ينبغي أن يفهم في ضوء إمكانات ديننا، وناتج تطبيقها تاريخيًّا عبر عصور الازدهار والوفاء للفكرة الإسلامية.

وتلك حقائق يعلمها تاريخ الأمم، ولا ينكرها عدوٌّ فضلًا عن صديق، ثم إن الأمر كله يسيرُ وَفْقَ سنن الله في خلقه، فبدون أن ينتبه المسلمون إلى هذه الحقائق باعتبارها سننًا فإن الأمر يظلُّ في دائرة الأمنيات المريضة، أو أحلام اليقظة كما يقولون.

وقد لخَّص شكيب أرسلان هذا الأمر - بعد حديث مفصل عن إنجازات المسلمين وفتوحاتهم في نصف قرن، وأن ذلك كله كان باسم الإسلام ومن صياغة الإسلام للناس - فقال:

(فالسبب الذي به نهضوا وفتحوا، وسادوا وشادوا، وبلغوا هذه المبالغ كلها من المجد والرقيِّ، يجب علينا أن نبحث عنه وننشده، ونخوض المسألة ونمعن في النشدان: أهو باقٍ في العرب وهم قد تأخَّروا بالرغم

(1) محمد الغزالي (الشيخ) ، الإسلام والطاقات المعطلة، 26، دار الزيتونة، تونس، 1407 هـ، 1987 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت