والتعليم كذلك مادة معرفية تسهم في بناء الإنسان، عقديًّا كي يستقيم فكره، وعلميًّا كي يعرف كيف يفكر وكيف يستنبط، وعمليًّا كي يعرف كيف يفيد أمته والبشرية كلها من خير ما عنده.
والتعليم كذلك طريقٌ لتقديم هذه المعلومات بأنسب الطرق، وفي أنسب الأحوال؛ لذا حين نريد أن نضع منهجًا دراسيًّا، سواء في المستوى الأدنى أو الأعلى في التعليم، فإن علينا أن نطرح عدة أسئلة؛ منها:
وغيرها من الأسئلة التي يتوقَّف على الإجابة عنها أمر كبير في اختيار كم التعليم وكيفه وأسلوبه وكل ظروفه.
كذلك من مهام التعليم في مثل ظروفنا التقدم العلمي الفني، والأخذ بالمنهج التجريبي للحاق برَكْب الحضارة، أو لإحياء موقفنا الحضاري السابق، ثم ربط منجزات العلم بواقع الناس، وترتيب الأولويات في مسائل التعليم حسب الظروف العامة والخاصة لبلادنا.
هذه القضايا كلها وما يدور في فلكها حفل بها تراثنا الفكري، وتحدث بعض علمائنا عنها تحت اسم التعليم، وبعضهم تحدَّث عنها تحت اسم الأدب، لكن جميعهم - كما أشرنا في بحثنا هذا - كانوا يَعُون جيدًا مسألة المناهج التعليمية؛ (نوعها، مناسباتها للظروف والعمار، تحويلها إلى عمل، تكاملها مع بعضها البعض، ترتيبها في التعلم) ، وهم إن توسَّعوا في الحديث عن آداب العالم والمتعلم، فإنهم لم يفعلوا ذلك استطرادًا، ولكن - كما أشرت - إيمانًا منهم بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وتلك نظرتهم التي أخذنا بها في بحثنا هذا.
وهكذا تفيدنا قراءة تراثنا في تلمُّس الخطوات المنهجية والترتيبات العلمية لمناهجنا، حتى لا نقع فيما وقعنا فيه حين درسنا علومًا كثيرة كالإنسانيات في ضوء المنهج الغربي، والتفسيرات التي تتصادم مع عقيدتنا من جهة، وبالتالي مع واقعنا من جهة أخرى، وكفى العرب ما جَنَوه من ثمار مرَّة لهذا التقليد في باب المناهج المترجمة أو المعربة من هنا وهناك [1] .
(1) انظر: بحث د، سيد دسوقي حسن؛ فهو جيد في هذا الباب.