فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 102

أولًا: معنى الفكر الإسلامي:

يقتضينا تحديدُ هذا المعنى أن نُوضِّح معنى الفكر، باعتباره عملًا إنسانيًّا، ثم نميز الفكر الإسلامي بما تميز به باعتباره فكرًا له خصائصه المرجعية والمنهجية، وهذا الأخير يتطلب أن نُظهِر الصلة بين هذا الفكر ومصادره من جهة، وبينه وسلوك الملتزِمين به من جهة أخرى.

إذا كان الإنسان مميزًا مكرمًا بالعقل بما يستلزمه هذا من اختزان الصور، والقدرة على استدعائها، وربط الأسباب بالنتائج بشكل أو بآخر، بساطةً أو عمقًا، فإن الفكر وإدراك المعلومات يُصبِح شيئًا من طبيعة هذا المخلوق يمارسه، فيُعمِل عقله حين يجد نفسه حيالَ مشكلة من المشكلات، باحثًا لها عن حل، في ضوء المبادئ السائدة وظروف البيئة التي يتوجه إليها بالخطاب [1] .

وهنا نُشير إلى حقيقتين:

الأولى: أن هذه العملية العقلية التي تسمَّى (الفكر) يتفق فيها - أعني أصل القضية - مَن له علم بالمناهج وطرق التفكر مع مَن لم يُتَح له ذلك لسبب أو لآخر؛ ذلك أن كليهما يملك عقلًا فطريًّا أو غريزيًّا، ويواجه بما يحتاج إلى حلول أو توجيهات أو اختبارات بين بدائل، فلا بد له من ممارسة هذه الوظيفة على قدر ثقافته، وهنا يظهر الاختلاف في الكمِّ بين مقدار ثقافة كل منهما وتوظيفه لها، لكن المؤكد أن كلًّا منهما له صلة بثقافة البيئة ومبادئها في صورتها البسيطة على الأقل.

ومِن هنا جاز أن يقال: إن مَن يرفضون التفكير يفكرون كي يرفضوه، وإن مَن يرفضون الفلسفة يتفلسفون من حيث لا يشعرون؛ لأن الفكر واحد من أبرز خصائص الإنسان.

وما التفكير الذي نسميه بالبدائي إلا دليل على صحة ما نشير إليه من ضرورة أن يفكر الإنسان - بطريقة أو بأخرى - في إيجاد ما يتلاءم به مع زمانه ومكانه، وأما حكمنا على هذا الفكر أو ذاك، فتلك نسبية في القياس؛ إذ يمكن أن يوصف فكرنا نحن بالأوصاف نفسها من جيل يأتي بعدنا في زمان لا نعلمه نحن الآن.

الثانية: أن لكلِّ فكرٍ مبادئه التي ينطلق منها باعتبارها ثقافته وجو بيئته، وأن لكل فكر غيبيَّاته التي تمثل معتقده، أيًّا كان نوع هذا الاعتقاد دينيًّا أو ماديًّا، ويبقى المقياس في النهاية قدر الاتِّساق بين الغيبيات المعتقدة لفكر ودين، وبين واقع أصحاب هذا الفكر أو ذاك، كذلك تقاس غيبيات الأفكار بمدى تحقيقها السلام الروحي للإنسان الذي يَدين بهذا الفكر أو ذاك، (وليس هناك في الأرض إنسان متحرك مِن غير

(1) حسن محمود عبداللطيف الشافعي، (د) ، في فكرنا المعاصر / 5، دار الثقافة بالقاهرة، 1410 ه - 1990 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت