أقول: هذه العلوم التي تستلزمها إشارات القرآن وحثه لنا، هي محتوى الحضارة العالَمية، لو أن المسلمين وعوا هذه الحقائق لصاروا كما ينبغي أن يكونوا روَّادًا للحضارة، وأساتذة العالم، يقدِّمون للإنسانية خير الإسلام ورحمته العالَمية، وهذه الروافد الثلاثة تنضم إلى مناهج التفكير لتشكل قاعدة انطلاق قوية نحو بناء الشخصية الحضارية كما يريدها الإسلام الحنيف.
فهِم المسلمون الأوائل ما عَناه الكتاب الكريم من الدعوة إلى العلم وتشجيعه ووضع الضوابط لإثماره، فهِموا هذه فراحوا يتعلمون من أمور دينهم وحياتهم الكثير، وبرز هذا فيما حكاه التاريخ عنهم من فهوم واجتهادات، بعضها في باب العلم النظري، وبعضها في باب الحِرَف والصناعات الهامة، ثم أتيح للمسلمين احتكاك بثقافات أخرى عن طريق الفتوحات الإسلامية، كما أتيح لهم فيما بعد اهتمام بتدوين العلوم، ثم معرفة بعض ما ترجم من ثقافات أخرى إلى العربية، ووجدت الحاجة إلى علوم تتميز عن بعضها البعض، فكان ذلك في القرن الثاني والثالث الهجريين [1] عبر هذا التطور الذي ساد إلى قرون امتدت حتى وصلتنا، وجد فكر إسلامي يهتم بقضايا التعليم انطلاقًا من الفهم الإسلامي لمهمته، واهتمامًا بتعليم المسلمين وغيرهم العلومَ التي يحتاجونها من علوم شرعية ومن علوم ومعارف تجريبية، وظهر هذا الاهتمام في مظاهر عديدة؛ نذكر منها ما يلي:
أولًا: الوعي بقيمة العلم وتمييز بعضه على بعض:
يقول الذهبي عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: (لَمَّا أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها، فقيل: تعلم القرآن، فقلت: إذا حفظته فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد فيقرأ عليك الصبيان والأحداث، ثم لا يبث أن يخرج فيهم أحفظ منك أو مساويك فتذهب رئاستك، قال: قلت: فإن سمعت الحديث وكتبتُه حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني؟ قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت واجتمع عليك هؤلاء الأحداث والصبيان، ثم لم تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب، فيصير عارًا عليك في عقلك، فقلت: لا حاجة لي في هذا، ثم قال: قلت: أتعلم النحو، فقلت: إذا حفظت النحو والعربية ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تقعد معلمًا، فأكثر رزقك ديناران أو ثلاثة، قلت: وهذا لا عاقبة له ... ، قال: قلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تسأل وتفتي الناس، وتطلب للقضاء إن كنت شابًّا، قلت: ليس في العلوم أنفع من هذا، فلزمت الفقه وتعلمته) [2] .
(1) محمد الماحي، (د) ، مناهج التشريع في القرن الهجري، 69 - 77 طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود.
(2) الذهبي مع أعلامه النبلاء 9، 395 - 397.