فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 102

ونحن نوافق الذهبي في استبعاده أن يكون أبو حنيفة قد فضَّل الفقه لمجرد الرئاسة، بدليل أنه عُرض عليه القضاء فامتنع، وعُرضت عليه وظائف غيره فامتنع أيضًا [1] ، لكنا لا نرفض الرواية، بل نرى أن كل متعلم يبحث دائمًا عما يفيد وينفع، ولو من جهة اجتهاده هو، وتبقى الرواية تعضِّدها روايات أخرى تشهد باختيار أبي حنيفة للفقه؛ لأنه غلب على ظنه كبير منفعته وعظيم آثاره، وهذا ما وضح حين كان يتحدث عن حياته العملية، وأنه بعد تضلعه بالجدل رأى أنه لا فائدة فيه فنَحَا منحى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عنهم: ورأيت خوضهم في الشرائع وأبواب الفقه، وكلامهم فيه، عليه تجالسوا وإليه حضروا، كانوا يعلمون الناس ويدعونهم إلى التعلم ويرغبونهم فيه ويفتون ويستفتون، وعلى ذلك مضى الصدر الأول من السابقين، وتبعهم التابعون عليه.

فلما ظهر لنا من أمورهم هذا الذي وصفنا تركنا المنازعة والمجادلة والخوض في الكلام، واكتفينا بمعرفته، ورجعنا إلى ما كان عليه السلف، وأخذنا فيما كانوا عليه، وشرعنا فيما فيه شرعوا، وجالسنا أهل المعرفة بذلك [2] .

وهذه إشارة أخرى من حياة الإمام مالك بن أنس تؤكد أن الجو العام آنذاك كان يحفل بالعلم، بل يعلم متطلبات بعض العلوم من صبر وجلد.

قال مطرف: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم، فقالت: تعالَ فالبس ثياب العلم، فلبستني ثيابًا مثمرة، ووضعت، الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن.

وقال رحمه الله: كانت أمي تعلمني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه [3] ، ولم يكن والد مالك أقل حرصًا ولا أدني معرفة بقيمة العلم من أم مالك، بل كان يفهم ما يحتاجه حفظ الحديث من اعتزال الناس والبعد عن ضوضائهم، (وكان مالك يفهم ما يحتاجه حين طلبه العلم، يتبع ظلال الشجر ليتفرغ إلى ما يريد، فقالت أخته لأبيه: هذا أخي لا يأوي مع الناس، قال: يا بنية، إنه يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم) [4] .

وقد اختار والد مالك لابنه طريق العلم وانتشله من لَهْو الصبيان، وذلك يفيد أن روح العصر كانت تهتم بالتعليم، ويحاول الناس قدر طاقتهم أن يُحيوا المعنى الإسلامي في هذا الباب.

قال مالك: (كان لي أخ في سن ابن شهاب، فألقى أبي علينا يومًا مسألة، فأصاب أخي وأخطأت، فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم، فغضبت وانقطعت إلى ابن هرمز(شيخه) سبع سنين لم أخلطه

(1) أبو زهرة (الشيخ محمد) أبو حنيفة، 35 دار الفكر العربي (د. ت) .

(2) أبو زهرة، أبو حنيفة، 24 دار الفكر العربي وانظر: تاريخ بغداد، 13، 331.

(3) القاضي عياض: ترتيب المدارك، 1، 130 طبعة وزارة الأوقاف بالمغرب.

(4) السابق 1، 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت