فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 102

ووَفْقَ هذا الفهم ينبغي أن نُدرك الفرق بين قدسيَّة المرجع في الفكر الإسلامي، وعملية التفكير ذاتها بما تنتجه من علوم ومعارف؛ إذ يجوز على التفكير باعتباره جهدًا بشريًّا أن يخطئ وأن يصيب، وفي الإسلام لكلٍّ مقدارٌ من الأجر، لكن مرجعية هذا الفكر مَصُونة مقدَّسة؛ لأنها إذا كانت قرآنًا فهو من لدن حكيم خبير، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] ، وإذا كانت سُنةً صحيحة فهي مرعية بالوحي من الله سبحانه، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] .

وهذا الفرق يُثير مسألةَ موقف الفكر الإسلامي بين ثبات النص وتغير الواقع والحاجات، وهي قضية شغَلت مفكِّرين إسلاميين في عصرنا [1] ، محاولة لتوضيح هذا التعارض الظاهري.

وأوجز ما يقال في هذا الصدد ما نقله أستاذنا الدكتور أبو ريدة عن المستشرقة تشريس ودي: (الحق من حيث هو حق في نفسه - بصرف النظر عن معرفة الإنسان به - ليس له تاريخ حياة يتطور، وإنما يوجد ذلك في فهم الأفراد له، وعلى ذلك فإن هناك ثباتًا في الحق وتغيرًا في فهمه، وتاريخ الفكر الإسلامي بوجه عام لا يمكن أن يُفهم الفهم الكامل من طريق الدراسة التطورية لتاريخ الآراء، إن الحقيقة الجوهرية لسعادة الإنسان هي عند المسلم موجودة كلها في القرآن والسُّنة) [2] .

وإذا كانتِ المسألة قد أثيرت بالطريقة التي تُوهِم تعارضًا بشكل ما، فإن الدكتور الشافعي يرى أن المسألة واضحة؛ لأن (الأمر الذي يرتبط بحدَّينِ؛ أحدهما ثابت والآخر متغير، لا بد أن يكون متغيرًا بالضرورة، والثابت هنا الوحي أو الشرع، والمتغير هو الواقع التاريخي، فالفكر - وهو فهم النص الشرعي في ضوء الوقائع، أو تنزيل النص الثابت على وقائع التاريخ المتجددة - لا شك متغيِّر لو بقدر ما، والخلاف يكون - فيما أحسب - حول مدى التغيير وضوابطه، لا على أصل حدوثه، فهو خلاف في الدرجة لا في النوع كما يقال) [3] .

إن الالتزام عند المسلم مرتبطٌ بأشياء لا بد أن تُوجد ليوجد هذا الالتزام، أولها نص أو مبدأ أو عقيدة تحدد دوائر عَلاقات الإنسان بخالقه، ونفسه، والناس، والكون بعامة، وهذا ما أشرنا إليه بالمرجعية التي تتمثل في الكتاب والسنة.

(1) أمثال إقبال محمد إقبال، في تجديد الفكر الديني، محمد قطب/ التطور والثبات في حياة البشرية، محمد فتحي عثمان / الفكر الإسلامي والتطور.

(2) أبو ريدة / السابق / 13.

(3) الشافعي، السابق: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت