المطلب الأول
نظرة الدراسات المعاصرة إلى الفكر الأخلاقي
لدى علماء الإسلام
يعرف الفكر المعاصر عددًا هائلًا من البحوث والدراسات التي اهتمَّتْ - بشكل أو بآخر - برصد حركة الفكر الأخلاقي لدى السابقين، ومحاولة للتاريخ وتقييمًا لهذا الفكر في جانب الأصالة، فقد تنوَّعتْ هذه البحوث والدراسات تَنوُّع منطلقات أصحابها وتنوُّع أسلوب المعالجة؛ فجاء بعضها معارف عامة، وبعضها محاولات للتأصيل، وبعضها دراسات أكاديمية تُعنَى بالتشقيق والتصنيف، ودراسة المناهج أكثر من أي شيء آخر [1] .
والمدقِّق في هذه البحوث والدراسات يصل إلى ما يلي:
أولًا: وجود تيار يُنكر - أو يكاد ينكر - وجود فِكر أخلاقي لدى المسلمين قبل معرفتهم بالفكر اليوناني، بحجَّة أن ما في القرآن والسنة شيء مختلف تمامًا عن علم الأخلاق كما يفهمونه، وكمثال لهذا التيار نشير إلى دائرة المعارف الإسلامية مادة (أخلاق) [2] ؛ حيث يُقرِّر كاتب المادة أن علم الأخلاق هو عبارة عن صفات الإنسان معروضة على وجه تعليمي، كما يقرِّر أن هذا اللون من الفكر موجود في الشعر، وفي الفقه، وفي القرآن والحديث.
ثم يصرِّح بما يظهر هدفه ورأيه: (هو علم يتَّصل بالمتوارث من الفلسفة اليونانية) سواء وراثة شفوية نقلتها المدارس والأديرة في مصر والشام، أم إنها مدونة عن طريق الترجمة.
تأمل هذا السابق في ضوء تصريحه (وبذلك لا يكون علم الأخلاق سوى فلسفة معروفة عند المشَّائين) .
وعنده أن أول الأخلاقيين العرب عبدالله بن المقفع، وأهم الأخلاقيين بعده مسكويه وإخوان الصفا، والغزالي، ونصير الدين الطوسي.
* وغني عن البيان أن كاتب هذه المادة في دائرة المعارف الإسلامية يدين بأنه لا فكر أخلاقيًّا لدى المسلمين إلا بعد تعرُّفهم إلى المحكمة الفارسية كتمهيد، والفلسفة اليونانية كمصدر؛ ولذا فمَن اهتمَّ بالأخلاق من المسلمين - على قلَّتهم كما يزعم - جاء فكره صدًى للأخلاق عند اليونان بمصطلحاته وتقسيماته للفضائل، وما عدا ذلك فنصح ووَعْظ دون مستوى العلم.
(1) لتفصيل هذا التصنيف انظر: أبو اليزيد العجمي/ الدراسات الأخلاقية المعاصرة في ضوء التاريخ لعلم أخلاق إسلامي/ 211 - 248، حولية دار العلوم العدد الحادي عشر/ 1983 م.
(2) ظلَّت هذه المادة التي كتبها المستشرق كاردي فو دون تعليق، حتى كتب د/ أحمد عبدالرحمن بحثه (فحص نقدي لمادة أخلاق في دائرة المعارف الإسلامية) ؛ أضواء الشريعة بالرياض، العدد الحادي عشر/ 1981 م.