فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 102

لعلَّ ما ذكرنا مِن العوامل يشير إلى أن حركة فكرية واسعة النطاق وعميقة الأثر، كانت تظل الفكر الإسلامي في عصر الفقهاء، وأن جوَّ الجدل والمناظرات كان سِمَة هذا الفكر آنذاك، ولم يكن الهدف مِن وراء هذا النشاط الفكري إلا خدمة العقيدة الإسلامية؛ وذلك ببيان حقيقتِها والردِّ على شُبهات أهل أهواء والبدع، ولذا اشترك فيه كل مَن يعنيه انتصار هذه العقيدة، اشترك فيه المعتزلة وناظروا كثيرًا من أهل الأهواء والبدع، بل وألفوا كتبًا مستقلَّة للرد على الملاحدة، ويفتخر المعتزلة بذلك؛ فالخياط صاحب الانتصار يقول: (هل على الأرض أحدٌ ردَّ على الدهريين سوى المعتزلة؛ كإبراهيم النظَّام، وأبي الهُذيل، ومعمر، والأسواري وأشباههم؟ وهل عرَف أحدٌ صحيحَ التوحيد واحتجَّ لذلك بالحجج الواضحة، وألف فيه الكتب الواضحة، ورد فيه على أصناف الملحدين من الدهريين والثنوية سواهم) [1] .

ولسنا بصدد الحكم على صواب المعتزلة أو خطئهم، ولكنا فقط نشير إلى أن العصر اقتضَتْ طبيعةُ الفكر فيه نشاطًا من هذا الصنف.

وقد خاض الفقهاء غمارَ هذه الحركة في الرد على الدهرية وغيرهم؛ فأبو حنيفة يجادل الدهرية ويوجِّههم إلى ضرورة الإيمان بمُنشئ هذا العالم: (ما تقولون في رجل يقول لكم: إني رأيت سفينةً مشحونة، مملوءة بالأمتعة والأحمال، قد احتوشتها في لجَّة البحر أمواجٌ متلاطمة، ورياح مختلفة، وهي مِن بينها تجري مستوية ليس فيها ملَّاح يجريها ويقودها، ولا متعهِّد يدفعها ويسوقها؟! فقال أبو حنيفة رحمه الله: فيا سبحان الله! إذا لم يَجُزْ في العقل وجود سفينة مستوية من غير متعهد ولا مجرٍ، فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها، وتغيُّر أمرها وأعمالها، وسَعَة أطرافها، وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ومحدِث لها؟!) [2] .

وقد ضاع مِن بين ما ضاع من تراث المسلمين كثيرٌ من المناظرات والردود، لكن بعض الكتب الموثَّقة حفِظتْ لنا صورًا من مجادلات بين أهل السنة وبين أهل الجبر والقدر، وعلى فرض أن ما يحكيه ابن القيم من مناظرة بين سُنِّي وجَبري، ومناظرة بين سنِّي وقدَري، على فرض أنه تصوره هو، فإن الواقع - من خلال ما مرَّ من عوامل - يشهد بوجود مثل هذه المناظرات، وإن لم تصلنا؛ حرصًا من الاتجاه السني على عقيدة المسلمين الحقة وَفْقَ منهج القرآن والسنة.

(1) الخياط، الانتصار، 17، تحقيق: نيبرج، ولم يكن المعتزلة هم وحدهم الذي يجادلون الدهريين وغيرهم؛ بل إن علماء السُّنَّة قاموا في هذا المجال بواجب أوفى من المعتزلة بكثير؛ كقصة أبي حنيفة مع الدهريين.

(2) المكي، مناقب أبي حنيفة، 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت