فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 102

وهذا جزءٌ مِن مناظرة جَبري وسُني:

-قال الجبري: القول بالجبر لازم لصحة التوحيد، ولا يستقيم التوحيد إلا به؛ لأنَّنا إن لم نقل بالجبر أثبتنا فاعلًا للحوادث غير الله مع الله، إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، وهذا شِرك لا يخلص منه إلا القول بالجبر.

-قال السني: بل القول بالجبر منافٍ للتوحيد؛ فهو منافٍ للشرائع ودعوة الرسل والثواب والعقاب، فلو صحَّ الجبر لبطلت الشرائع، ولبطل الأمر والنهي، ويلزم من بطلان ذلك بطلان الثواب والعقاب [1] .

ويستمر الجدل بينهما مؤكدًا ما يهدف إليه كل من الطرفين، وكذلك الأمر فيما ذكره ابن القيم بين سني وقدري.

وإذا كان هذا الجدل في باب العقائد، فقد كان الفقهاء مناظراتهم في باب الفقه وفي مواسم الحج، وكانت مجادلات الفقهاء أخصب وأعم خيرًا، وأكثر إنتاجًا من مجادلات الفِرق المختلفة، وإذا كان هذا لا ينفي ما وجد من جدل تعصب فيه كلٌّ لمواطنه البصرة أو الكوفة، وفي ذلك ما فيه من لَجَج وخصومة [2] .

ويصوِّر الشيخ أبو زهرة حالة العصر الذي نحن بصدده، فيقول: (والعصر كان عصر مناظرات وجدل، فمناظرات شديدة اللَّجَب، قويَّة الأثر بين الفرق المختلفة وبين الشيعة، وبين الخوارج وغيرهم، وبين أهل الأهواء جملة وبين المعتزلة والمدافعين عن الآراء الإسلامية والعقيدة السليمة القوية، يرحل العلماء لأجل هذه المناظرات، وقد رأيت أن أبا حنيفة قد رحل إلى البصرة نحو اثنين وعشرين مرة لأجل مناظرة الفِرق الكثيرة المختلفة [3] .

وقد ارتبط بهذا الجوِّ بعض المظاهر العلمية التي بقِيَت وأثَّرت في الفكر الإسلامي بين أخذ وردٍّ، أعني نشوء علم الكلام بمدارسِه المختلفة والكتب التي ألفت في العقائد والنِّحَل، وسنفرد كلًّا بكلمة وجيزة.

علم التوحيد والتأليف في قضاياه:

لا نريد أن نُؤرِّخ لهذا العلم وأن نتتبَّع مراحلَه وقضاياه، ولكنا نُعْنَى هنا بالدرجة الأولى ببيان نقاط تربط بين هذا العلم وبين العوامل السابقة التي أنتجته خلاصة أو جماعًا للجدل الذي دار في القرنين الثاني والثالث الهجريين، ونكتفي من النقاط بما يلي:

• إن وجود هذا العلم ناتجًا عن العوامل السابقة إنما هو مظهرٌ من مظاهر الاهتمام بالعقيدة الإسلامية فهمًا واستدلالًا ودفاعًا ضد الهجمات التي أشرنا إليها سابقًا، ويتَّضِح هذا حين نتذكر كيف كانت

(1) ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل، 75، (طبعة صبيح) .

(2) أبو زهرة، أبو حنيفة، 89.

(3) السابق، 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت