وجديرٌ بالذِّكر إلى جانب هذين اللفظينِ مصطلحُ أهل السنَّة قد يحمل معنى (السلف) ؛ كما نراه كثيرًا في استعمالات ابن تيمية، وقد يكون أكثر اتِّساعًا إذا أُطلِق في مقابل لفظ (الشيعة) ، ولكن الأغلب أن يتحدَّد مفهوم أهل السنَّة بأهل الحديث ومَن تابعهم من الفقهاء [1] .
تكاتَفَت عوامل عديدة لتجعل القرنين الثاني والثالث الهجريينِ فترة اتَّسَمت بالجدل حول قضايا العقيدة، وأدَّت بطريقٍ أو بآخر إلى بداية التأليف في بحوث العقائد، الأمر الذي أوجد بالمكتبة الإسلامية تِباعًا كثيرًا من المؤلفات في هذا الموضوع، وما يتصل به من تاريخ للمِلَل والنِّحَل [2] الذي نشأ فيما بعد.
ولعلَّ أبرز هذه العوامل ما يلي:
1 -وجود الفِرَق واشتغالها بمسائل استتبعت ردًّا من المخالفين لهذه الفرقة أو تلك ممن يختلفون في الأصول، وتعصب كل فرقة لأصولها التي حكمتها في القضايا وحكمت بها على مسائل الخلاف، ولكي ندرك أثَر هذا العامل يجب أن نعي حقيقتين هامتين:
الحقيقة الأولى: أنَّ قضايا العقيدة كانت موقعَ اهتمام القرآن الكريم، باعتباره كتاب الإسلام الذي يُؤسِّس بناء الفرد على عقيدة التوحيد، ويفرع منها كل نواحي النشاط الإنساني، سواء في جانب عَلاقة الإنسان بربه في العبادات، أو علاقة الإنسان بالناس في المعاملات والآداب، أو علاقة الإنسان بالكون تسخيرًا وتأملًا وتحقيقًا للخلافة والعمارة من خلاله.
وسواء جاء الاهتمام بالتوحيد وتقريره في صورة إخبارٍ عن حقيقة مؤكدة؛ مثل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4] ، ومثل: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] .
أو في صورة بيان يفهمه العقل ويصدِّقه الواقعُ المشاهد؛ مثل قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] ، وقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] .
(1) دائرة المعارف الإسلامية 12/ 282، مادة سنة، وانظر: ابن حزم، الفصل 2/ 113، (طبعة دار المعرفة/ بيروت/ الطبعة الثانية 1975 م) .
(2) نذكِّر فقط بالفِصَل لابن حزم، والمِلَل والنِّحَل للشهرستاني، وأصول الدين، والفَرْق بين الفِرَق للبغدادي، إلى جانب ما وصلنا من كتب للفقهاء؛ مثل: العالم والمتعلم، والفقه الأكبر، والفقه الأبسط لأبي حنيفة، وما علِمنا عنه ولم يصلنا لكثير من الفقهاء، أو غيرهم؛ مثل الرد على أهل الأهواء والبدع المنسوب لابن جرير الطبري، وإثبات النبوة.