أما مفهوم الخلف: فقد حدَّده شيخ الإسلام بأنه يُراد به جماعة المتكلمين ومَن تابع منهجهم ومنهج الفلاسفة، وابتعد عن منهج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهمًا منهم أن ذلك خيرٌ من مذهب السلف، ويصدق هذا المفهوم على الآخذين بهذا المنهج قديمًا وحديثًا، ولا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب المتكلمين، (الذين كثر في باب الدين اضطرابُهم، وغلظ في معرفة الله حجابهم، وأخذ الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه أمرهم؛ حيث يقول:
لَعَمْرِي لقد طفتُ المعاهدَ كلَّها = وسيَّرتُ طَرْفِي بين تلك المعالمِ
فلم أرَ إلَّا واضعًا كفَّ حائرٍ = على ذَقَنٍ أو قارعًا سنَّ نادمِ [1]
ويُبيِّن شيخ الإسلام خطأ فهم الخلف لمنهج السلف، ويبان ضلال مَن يزكي مذهب الخلف أنفسهم، (فإن هؤلاء المبتدعين الذين يُفضِّلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومَن حذا حذوهم على طريقة السلف، إنما أُتوا من حيث ظنُّوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] ، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ... ، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمَعوا بين الجهل بطريق السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف) [2] .
وبهذا، فإن لفظ السلف حين يُطلق يجب أن ينصرف لا إلى مجرد السبق الزمني، بل إلى أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وتابعِيهم ومَن بعدهم، بشرط الالتزام بمنهجهم، وللذين يتأخر بهم الزمن أن يسموا سلفًا إذا كانوا على نهج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما لفظ الخلف، فإنه لا يعني مجرَّد التأخُّر في الزمن، ولكنه يضم إلى هذا معنى آخر هو البُعد عن منهج السلف واتِّباع منهج الجدل العقلي وغيره من طرق البشر، في التفكير الذي لا يستند إلى كتاب أو سنة.
• وقد حمل بعض العلماء شهرة بلقب السَّلَفي - وتناقلها كتَّاب التراجم والطبقات - أمثال الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم سِلَفة الأصبهاني، وهو أحد الحفَّاظ المحدثين، ولد /472 هـ، وتوفي 576 هـ، وعاش مائة وأربع سنين، كان مشهورًا بلقب السَّلَفي [3] !
• وقد أخطأ فريد وجدي في هذا، والصحيح: أنه السِّلَفي، بكسرٍ ففتح.
وكما اشتهر هذا الوصف - في فهمنا - عن التجديد الذي أشرنا إليه من التزام منهج الصحابة والتابعين.
(1) الفتاوى 5/ 10، ج 11/ 366 - 373.
(2) الفتاوى 5/ 9.
(3) محمد فريد وجدي/ دائرة المعارف 5/ 229.