الإسلامية حتى لا يصيبنا ما أصاب حضارة الغرب التي عكفت على التقدم المادي، وهجرت مواكبة الروح لذلك، فتعرَّضتْ لنقد من أبنائها قبل غيرهم؛ لأنها تقدم للإنسان ما يقيم حياته في جانب، وتهددها بالخطر في جانب آخر، ولعل في الضوابط الأخلاقية التي شغل بها مفكرونا ما يحل مشكلة الحضارة العرجاء من جهة، وينبهنا إلى مواضع أقدامنا، ونحن نصنع مناهج التعليم طلبًا للتقدم من جهة أخرى.
قلنا: إن نظرتنا للمناهج تتَّسِع لتشمل كل ما ينجح التعليم، لا نعتبر المناهج هي مجرد المقررات وحدها، بل نعتبر إعداد المعلم، وتهيئة الطالب، واختيار نوع المعرفة وأسلوبها، كل ذلك في دائرة ربطه بخطط التنمية للبلاد الإسلامية، نعتبر كل هذا داخلًا في بناء المناهج؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقد حفل الفكر الإسلامي بهذه الموضوعات جميعها، ونذكر منها ما يلي:
وهذا الموضوع قد جاء في تراثنا بشكل لافت للنظر، حتى إنك لتجد كتبًا قد محضها أصحابها لهذا الغرض، وقد ركزوا فيها على تهيئة الطالب لتلقي العلم النافع والخلق الذي يمكنه من ذلك، كما ركزوا على أخلاق العلماء كي يؤثروا في تلاميذهم، مبتعدين قدر الطاقة عن أن يستخدم العلم لكسب شخصي أو مصلحة خاصة.
ويمكننا أن نفيد من هذا الاهتمام ونحن نخطط لمناهجنا، بل نخطط لمسائل الطلاب ومسائل المتعلمين، فإعداد المعلم وَفْقَ هذه الآداب يحتاج إلى جهد ووقت حتى يتحمل مسؤولية رسالة التعليم، باعتباره أهم مرتكزات التغيير نحو الأفضل دائمًا.
وحسبنا أن نشير إلى بعض مظان هذا الاهتمام ليرجع إليه من يشاء [1] .
ليجد أن علماءنا وضعوا نصب أعينهم أن يعلموا الناس رسالة المعلم الحقيقة في خدمة الحياة والأحياء، وكان أمامهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتصرفوا به وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار ) ) [2] ، ولأهمية هذا الأمر في البحث العلمي عزمنا على أن نفرد له بحثًا مستقلًّا به تفاصيل أكثر.
(1) انظر: الماوردي، أدب الدنيا والدين، 75 - 93، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978 م، ابن عبدالبر، جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، 1/ 49 - 63، 2/ 5 - 39، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978 م.
(2) الراغب الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، 229 - 254، تحقيق أبو اليزيد العجمي، دار الصحوة بالقاهرة، طبعة أولى، 1985 م، الغزالي، إحياء علوم الدين، 1/ 5 - 75، طبعة الحلبي، 1975 م، والخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/ 110 - 155، تحقيق د، محمد رأفت سعيد، نشر مكتبة الفلاح بالكويت، ابن جماعة، تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، صفحات متفرقة منه.