فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 102

ولعلنا لا نجد عناءً في تلمس خصائص المنهج العلمي بين سطور هذا النص واضحة وجلية؛ فالاستقراء هو سمة لمنهجه، ولكنه استقراء مَرِن غير جامد، يختلف عما وصفه به بيكون وستيوارت مل؛ من حيث إنه عنده مجموعة من الترتيبات حتى إنها وصفت بأنها تمثل الوصفات المجربة الناجحة [1] .

والموضوعية في طلب الحق وتحري الوصول إلى الحقائق بعيدًا عن الهوى والذاتية، سمة بارزة كذلك في كلام ابن الهيثم.

كذلك يتضح من خلال المثال السابق أن التجريبية عند علمائنا خطوة مقصودة في أسلوب البحث العلمي المبني على الاستقراء والاستنباط والموازنة، يقوم به الباحث بخبرته مرة، ومرة ليتأكد من صحة ما يطرحه عقله من فروض وما يتوصل إليه من قوانين ونظريات.

وهذه النظرية نجدها عند كثير من علمائنا، كل في تخصصه، فمن يقرأ تاريخ الطب عند المسلمين يجد حديث الرازي وغيره من تجاربهم وتفهمهم لمعنى التجربة، وأصول الممارسة العلمية فيها، سواء كانت تجري على آدمي - فيما لا ضرر فيه - أو على حيوان كما فعل الرازي الطبيب حين جرب على قرد ليقرر خواص الزئبق، وما يحدثه من وجع في البطن والأمعاء [2] .

وبدهي أن يكون المنهج التجريبي عند علماء الإسلام منطلقًا من مسلمات إيمانية تعطي الباحث ثقة، وتعطي العلم سَعة وشمولًا، كما أن الدراسة التفصيلية لهذا المنهج عند علمائنا تكشف تفوقهم وسبقهم لكل مَن جاؤوا بعدهم في تاريخ المنهج التجريبي الحديث، لذا يجب التنويه إلى حقيقة مهمة يغفلها كثير من علماء المناهج وفلاسفة العلم، مُؤدَّاها أن المنهج التجريبي في التراث الإسلامي لا يصح أن ينسب في اكتشافه إلى عالم بعينِه كما هو الحال بالنسبة لأرسطو وبيكون، بل يعزي إلى كل من أدلى فيه بدلوه في مجال اهتمامه؛ مثل جابر بن حيان في الكيمياء، وأبي بكر الرازي في الطب، وأبي الريحان البيروني في الجيولوجيا، وغيرهم، وفي هذه الحقيقة المهمة يكمن السر والدافع وراء نجاح هذا المنهج ومواكبته لحركة التقدم العلمي التي حثت عليها تعاليم الإسلام ومبادؤه السامية، متمثِّلة في آيات القرآن الكريم التي تحث على النظر والبحث في ملكوت السماوات والأرض، وفي الأحاديث الشريفة التي تدعو إلى السعي في طلب العلم ... ، وتحرر العقل من القيود والأوهام المعوقة للكشف والإبداع [3] .

وإذا كنا نتحرق شوقًا إلى إقامة تقدم تقني في حياة أمتنا من خلال مناهجنا التعليمية، فإن أقرب الطرق وأنسبها لنا هي أن نعيد قراءة تراثنا العلمي بعين حاجات العصر الحديث، دون أن نغفل هُوِيَّتنا

(1) صلاح قنصوة، فلسفة العلم، 142.

(2) عامر النجار، (د) ، في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية، 92، (دار الهداية، القاهرة، 1986 م) .

(3) أحمد فؤاد باشا، الثقافة الإسلامية، بالاشتراك، 99، جامعة صنعاء، 1985 م، بحث لم ينشر، بعنوان: فلسفة العلوم الطبيعية في التراث الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت