فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 102

ولا يخفَى على باحث أنَّ جهد العلماء المسلمين في باب التصنيف وتحديد المصطلح يمكن أن يكون رائدًا لواضعي المناهج التعليمية؛ حيث يُرتِّبون العلوم حسب أهميتها وحسب نفعها للإنسان والحياة، ويبتعدون قدر الطاقة عن المعرفة التي لا تقدم نفعًا للإنسان ولا تثري الحياة؛ كالسحر والتنجيم وما في حكمهما؛ كالتنويم المغناطيسي مثلًا.

ثالثًا: الاهتمام بالمنهج التجريبي:

لعل من المشهور بين كثير من الباحثين أن الحضارة الأوروبية بدأت خطواتها المتقدمة منذ أخذت بالمنهج التجريبي، بعد أن وجهت انتقاداتها إلى المنطق الأرسطي العقيم، وقد تكون هذه حقيقة، لكن ما ارتبط بها في أذهان كثير من الباحثين من أن الفضل في اكتشاف هذا المنهج التجريبي يرجع إلى فرنسيس بيكون ليس صوابًا؛ لأنه نصف الحقيقة، أما نصفها الآخر، فهو أن علماء الحضارة الإسلامية كانوا أسبق مِن بيكون في ممارسة المنهج التجريبي، ووضع ضوابطه العلمية، بل إنهم كانوا أسبق من الغربيين المحدثين إلى نقد منطق أرسطو العقيم، واستطاعوا أن يميزوا بين طبيعة الظواهر العقلية الخالصة من جهة، والظواهر المادية الحسية من جهة أخرى، وعلِموا أن الوسيلة المستخدمة في دراسة هذه الظواهر يجب أن تختلف حسب طبيعة كل منهما، وقد قال جابر بن حيان في ذلك: (إن لكل صنعة أساليبها الفنية) [1] .

وهذا مثال من تراثنا الإسلامي يمثل اتجاهًا عامًّا لدى علماء فكرنا الإسلامي، يقول الحسن بن الهيثم عن منهجه في بحث حقيقة الإبصار كما جاء في مؤلفة (المناظر) :

"رأينا أن نصرف الاهتمام إلى هذا المعنى بغاية الإمكان، ونخلص العناية به، ونوقع الجد في البحث عن حقيقته، ونستأنف النظر في مبادئه ومقوماته، ونبتدئ باستقراء الموجودات، وتصفُّح أحوال المبصرات، وتميز خواص الجزيئات، ونلتقط باستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار، وما هو مطرد ولا يتغير والظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس ... ، ثم نرتقي في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب، مع انتظار المقدمات، والتحفظ من الغلط في النتائج، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرِئه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننقده طلب الحق لا الميل مع الآراء، فلعلَّنا ننتهي بهذا إلى الحق الذي به يثلج الصدر، ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف، وتنحسم بها مواد الشبهات، وما نحن مع جميع ذلك براء مما هو في طبيعة الإنسان من كدر البشرية، ولكننا نجتهد بقدر ما لنا من القوة الإنسانية، ومن الله نستمد المعونة في جميع الأمور [2] ."

(1) أحمد فؤاد باشا، التراث العلمي للحضارة الإسلامية ومكانته في تاريخ العلم والحضارة، 45، الطبعة الثانية، القاهرة، 1984 م.

(2) عمر فروح د/ تاريخ العلوم عند العرب، 371، دار العلم للملاين، بيروت، 1977 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت