فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 102

إذا كانت المحاولات التي ذكرناها لبعض العلماء بها بعض الأثر اليوناني لما ترجم من كتبهم الفلسفية، فإن بعض العلماء المسلمين نجوا من هذا الأثر، وجاء تصنيفهم للعلوم من واقع نظرة إسلامية عربية سدى ولحمة، ونذكر من هؤلاء الراغب الأصفهاني (502 هـ) ، والغزالي (505 هـ) .

ونورد مثالًا للراغب مكتفين به مشيرين إلى نظيره عند الغزالي الذي تأثر بالراغب، يقول الراغب الأصفهاني:(أنواع العلم ثلاثة: نوع يتعلق باللفظ، ونوع يتعلق باللفظ والمعنى، ونوع يتعلق بالمعنى دون اللفظ:

فأما ما يتعلق باللفظ، فيقصد به تحصيل الألفاظ بوسائط المعاني، وذلك ضربان: أحدهما حكم ذوات الألفاظ، وهو علم اللغة، والثاني حكم لواحق الألفاظ، وذلك شيئان؛ شيء يشترك فيه النظم والنثر، وهو علم الاشتقاق، وعلم النحو وعلم التصريف، وشيء يختص به النظم، وهو علم العروض وعلم القوافي.

أما النوع المتعلق باللفظ والمعنى، فخمسة أضرب: علم البراهين، وعلم الجدال، وعلم الخطابة، وعلم البلاغة، وعلم الشعر.

وأما العلم المتعلق بالمعنى، فضربان: علمي وعملي.

فالعلمي: ما قصد به أن يعلم فقط، وذلك معرفة الباري تعالى، ومعرفة النبوة، ومعرفة الملائكة، ومعرفة يوم القيامة، ومعرفة العقل، ومعرفة النفس، ومعرفة مبادئ الأمور، ومعرفة الأركان، ومعرفة الآثار العلوية من الفلك والنيرين والنجوم، ومعرفة طبائع النبات، ويقال له علم الفلاحة، ومعرفة طبائع الحيوانات، ومعرفة طبائع الإنسان، ويقال له علم الطب.

وأما العملي: وهو ما يجب أن يعلم ثم يعمل به، ويسمى تارة السنن والسياسات، وتارة الشريعة، وتارة أحكام الشرع ومكارمه، وذلك حكم العبادات، وحكم المعاملات، وحكم المطاعم، وحكم المناكح، وحكم المزاجر) [1] .

ومع اختلافنا مع الراغب في أن هناك علمًا يتعلم للعلم فقط في الإسلام، فإننا نرى أنه حاول تقسيم العلوم بطريقة نابعة من فهمه واجتهاده، دون اقتفاء لأثر مَن سبقه، حتى ولو حاولوا التحرر من سيطرة الأثر اليوناني في هذا الصدد، وقد نحا الغزالي نحوه، بل زاد أن قسم العلوم في تعلمها إلى ما هو فرض عين وإلى ما هو كفاية، أو إلى ما تعلمه فريضة، وإلى ما تعلمه فضيلة.

وفي كل كانت نظرته قريبة من نظرة الأصفهاني بعدًا عن التقسيمات الفلسفية التي سبقتهما [2] .

(1) الراغب الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، 230، تحقيق د/ أبو اليزيد العجمي، دار الصحوة بالقاهرة، 1984 م.

(2) السابق 1، 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت