أما الوعي بقيمة تحديد المصطلحات الخاصة بكل علم، فهو أدقُّ ما في مسألة التصنيف وهو يفيد قضية التعليم كثيرًا؛ إذ يمنع اختلاط أهل الفنون الواردة فيه، ونذكر مثالًا على هذا الفهم قدَّمه الخوارزمي (783 هـ) حين قال:
(ومثال هذه المواضعات: لفظ الرجعة، فإنها عند أصحاب اللغة: المرة الواحدة من الرجوع، لا يكادون يعرفون غيرها، وهي عند الفقهاء: الرجوع في الطلاق الذي ليس ببائن، وعند المتكلِّمين: ما يزعمه بعض الشيعة من رجوع الإمام بعد موته أو غَيبته، وعند الكتاب: حساب يرفعه المعطي في العسكر لطمع واحد، وعند المنجمين: سير الكواكب من الخمسة المتحيرة على خلاف نضد البروج.
ولفظ الفك، فإنها عند أصحاب اللغة والفقهاء: مصدر فك الأسير، أو الرهن أو الرقبة وأحد الفكين، وهما اللحيان، وعند أصحاب العروض: إخراج جنس من الشعر من جنس آخر تجمعها دائرة، وعند الكتاب: تصحيح اسم المرتزق في الجريدة بعد أن كان وضع عنها [1] .
وهنا يجدر أن نذكر أن جميع من صنَّفوا العلوم من علماء المسلمين - مع جواز تأثر بعضهم بالفكر اليوناني - قد وضع العلوم الدينية في المقام الأول، ناظرًا إلى أهمية ما تقدِّمه من إعداد الإنسان لرسالته التي تخدمها العلوم الدنيوية.
كذلك نُنبِّه إلى أن بعض الذين صنفوا من علمائنا حرَصوا على أن يميزوا بين العلوم العربية والعلوم الأجنبية؛ كما فعل الخوارزمي حين جعل كتابه في مقالتين: إحداهما في العلوم العربية، والأخرى في علوم اليونان وغيرهم، فذكر فيها الفلسفة، والمنطق، والطب، والحساب، والهندسة، والكيمياء، والفلك، وعلى نهجه سار ابن خلدون مع اختلاف يسير في التسميات [2] .
ولعل هذا الفهم في تقديم العلوم الدينية ومحاولة التحرُّر من تأثير الفكر اليوناني هو الذي جعل ابن عبدالبر (ت 463 هـ) يُقرِّر أن العلوم ثلاثة؛ أعلى وأوسط وأسفل، ويعد العلم الديني أعلاها جميعًا، وهو الذي جعل الماوردي (ت 450 هـ) يقول: (وإذا لم يكن إلى معرفة جميع العلوم سبيل وجب صرف الاهتمام إلى الناس بمعرفته يرشدون، وبجهله يضلون) [3] .
بل إن الماوردي يرى أن الذين يُقدِّمون العلوم العقلية على علوم الدين متهاونون يستقلون علوم الشرع ويهربون من التكاليف [4] .
ملاحظة هامة:
(1) الخوارزمي، مفاتيح العلوم، 14، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي، بيروت.
(2) جلال موسى، (4) ، البحث السابق: 24.
(3) ابن عبدالبر، جامع بيان العلم وفضله، 2/ 39، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978 م.
(4) الماوردي، أدب الدنيا والدين، 44 تحقيق د، مصطفى السقا، (دار الكتب العلمية، بيروت، 1978 م) .