فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 102

المؤلَّفات التي أثارت سؤال سبب الاهتمام، والاطِّلاع على منهجها يظهر تعاضد جهود الفقهاء وأهل الحديث في هذا الباب.

ولعلنا من خلال ما قدمنا نكون قد أظهرنا أن ما أنتجَتْه هذه المرحلة من اهتمام العلماء بالعقيدة السَّلَفية كان مسوغًا وضروريًّا من الوجهة العِلمية، وهذا نفسه ينطبق على المرحلة الثانية التي يجب أن نعالجها كنقطة هامة تكملُ الإجابة على السؤال المطروح.

قد أنتجت المرحلة الأولى - في قرنَيْها الثاني والثالث الهجريينِ - اهتمامًا امتدَّ حتى القرن الخامس الهجري، ولعلَّه وضح مِن خلال المؤلَّفات التي أشرنا إليها في أول هذا البحث، ثم أصيب العالم الإسلامي بموجةٍ تُشبِه الموجةَ التي كانت في عصر الجدل والمناظرات؛ من حيث سوء الحال في السياسة والاجتماع، وتفرق الناس في العقيدة فِرقًا وأحزابًا، حتى إذا جاء عصر شيخ الإسلام ابن تيمية (661 - 728 هـ) وجدنا حالًا أسوأ مِن سابقتها، الأمر الذي جعل المعركة شديدةً في نفسه بين ما علِم وما يرى في عصرِه مِن ظلمة شديدة وفساد في كل نواحيه؛ رأى في ماضي الإسلام عزةً واتِّحادًا، وفي حاضرِه ذِلةً وانقسامًا، فتقدَّم الرجل ليصلح وليداوي، وقد جاء الدواء بأيسر كلفة، ووجد أنَّ هذه الأمة لا يصلح آخرُها إلا بما صلَح به أوَّلُها.

ولو فتَّشت عن البواعث التي بعثت ذلك العالم التَّقِي على المجاهرة بآراء معينة، لوجدتَ أن الذي بعث على هذه المجاهرة عيبُ الزمان في الفكر، أو في العمل، أو فيهما معًا [1] .

وإذا كانت هذه العبارة تُمثِّل وصفًا مجملًا للعصر الذي نُشير إليه، فإن كتب التاريخ فصَّلت القولَ في مظاهر الخلَل التي استدعت بالضرورة اهتمامَ المخلصين بإنقاذ هذه الأمة لتنقية عقيدتها مما شابها.

وها هي ذي بعض مظاهر الفساد آنذاك:

أولًا: ذبول الحسِّ الإسلامي: وهذا يفقد الناسَ حميَّتهم الإسلامية وارتباطهم بأحكامه، واستعدادهم للتضحية في سبيل نصرته، وقد تجلَّى هذا الأمر في صور؛ نذكر منها:

• فساد عقائد الناس، وضعف إيمانهم بفريضة الجهاد، حتى إن بعض المسلمين يناصر التَّتار ويؤذي الجنودَ المسلمين، ويذكر ابن كثير في حوادث سنة (700 هـ) هذا الأمر، فيقول: (وفي شوال فيها عرفت جماعة ممن كان يلوذُ بالتتر ويؤذي المسلمين، وشنق منهم طائفة ... ، وقطعت ألسن، وجرت أمور كثيرة ... ، وخرج الشيخ تقي الدين ابن تيمية ومعه خلق كثير من المتطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية [يشير إلى جبال الجرد وكسروات] بسبب فساد نيَّتهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم، وما كانوا عامَلوا به العساكر لَمَّا كسرهم التتر وهربوا حين اجتازوا ببلادهم؛ إذ وثبوا عليهم ونهبوهم وأخذوا أسلحتهم

(1) أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، 2/ 447، دار الفكر العربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت