وعلينا أن نتذكَّر أن هذا العلم كان مِن أبرز مدارسه المعتزلة، الذين غالَوا في قيمة العقل، وبالغوا في تقدير الحرية الإنسانية، فجلَبوا على العلم ذاته هجومًا من أهل السنَّة والجماعة، حتى إن بعض العلماء يقول: (إن الفقهاء مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، حين يذمُّون علم الكلام إنما يقصدون المعتزلة في المقام الأول) [1] ، وكان منهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، ثم رجع عن مذهبهم، وخالفهم في أمور كثيرة، وردَّ على باطلهم بما عُرِف فيما بعد بمذهب الأشعري، وتبعه جماعة في مذهبه الجديد على ما فيه من أخطاء تخالف مذهب أهل السنة والجماعة، ومن أشهرهم إمام الحرمين، ثم رجع أبو الحسن في آخر حياته عن مذهبه، وقال بقول أهلِ السُّنَّة في غالب ما خالف فيه وألف كتابيه - الإبانة ومقالات الإسلاميين - وبقِي أتباعُه يناصرون مذهبه الذي رجع عنه.
آثار هذه المرحلة:
بعد أن ألممنا بالظروف الفكرية للعصر الذي نتحدَّث عنه: يمكننا أن نوجز آثاره الفكرية فيما يلي:
أولًا: دخل ميدان البحث في العقائد ومجادلة الخصوم، مَن عرف عنهم كراهيتهم لهذا اللون من الفكر؛ أمثال (أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد) ، كما يتَّضح من خلال مؤلَّفاتهم التي ذكرناها سابقًا، والأمثلة التي ذكرناها من مناظرة أبي حنيفة للدهريين.
ولئن كان ما قدَّمه ابن القيم عن مناظرة بين سُني وجَبري، أو سُني وقَدَري، متأخرًا في الزمن من حيث التأليف، فإنه يُصوِّر المرحلة التي نتحدَّث عنها وإن سبقت ابن القيم.
وما كان لفقهاء السلف أن يصمتوا والجدل دائرٌ حولهم في مجالٍ هم يرون الفقه فيه هو الفقه الأكبر؛ أعني مجال العقيدة، ولذلك دخلوا بقدرٍ وحَذَر، وهدفهم الحفاظ على عقيدة السلف الصالح وبيانها في مقابل شطط الفرق وغلوِّ المتطرفين.
ثانيًا: وجد الاهتمام ببحوث العقائد في علمٍ استقلَّ عن غيره من العلوم، كما وضح هذا من تعريفه وموضوعاته، وقد بدَأ هذا العلم كما ذكرنا أصيلًا ويهدف إلى غاية نبيلة، غير أن الفِرق حادَتْ به عن الصِّراط في كثيرٍ مِن بحوثها فيه؛ حيث المغالاة والانحراف بالجدل إلى ما لا يحبُّ الله تعالى.
ثالثًا: أُلِّفت كتبٌ في عقائد الفِرق، كل فِرقة حرَصَت أن تُثبِت أصولَها لتعلِّمها للناس من جهة، ولتروِّجها على غيرِها من جهة أخرى، كما فعَلَت المعتزلة في (الأصول الخمسة) والانتصار، وغير هذا كثير.
رابعًا: وسط هذا الجو المفعَم بالجدل، والمهتم بتأصيل الأصول، حتى ولو كانت تخالف المنهاج القرآني، وسط هذا كان على علماء السَّلف - فرضًا ضروريًّا - أن يُقدِّموا المعتقد السليم للناس؛ مواجهةً للتطرُّف، وحرصًا على هذه الأمة التي حفِظ الله لها أصولَ دينها، وقيَّض لها حماة مخلصين، فكانت
(1) أبو زهرة، أبو حنيفة/ 152، وهو مذموم عند السلف بعامته.