من خطتنا، وإنما حسبنا أن نشير إلى الظاهرة وندل عليها في مظانِّها من كتب الفِرَق والمِلَل والنِّحَل [1] ، كما نشير إلى أن أثر الفِرَق ليس راجعًا إلى موضوعات الجدل، بقدر ما هو راجع إلى منهج تناول هذه الموضوعات والهدف المرتبط به.
ضم المجتمع الإسلاميُّ آنذاك فئاتٍ شتى، اختلفت اتجاهاتهم، وتبايَنَ بمقدار هذا حقدُهم على الإسلام، بل وطريقة الكيد له، فلقد كان هناك مَن دخلوا الإسلام من أصحاب العقائد والحضارات الأخرى؛ كالفرس الذي دخلوا الإسلام، ولكنهم لم ينتسبوا إليه إلا بمقدار ما يظهر في سلوكهم الخارجي، أما حقيقة الأمر، فقد تجلَّت في بثِّهم بين المسلمين كثيرًا من أفكارهم القديمة التي تخالف الفهم الإسلامي الصحيح؛ كما في مسألة الجبر مثلًا؛ حيث كانت من البحوث التي طرقها الزرادشتية والمانوية وغيرهم، فقد جاء في كتاب المنية والأمل للمرتضى: (عن الحسن: أن رجلًا من فارس جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: رأيت أهل الفرس ينكحون بناتهم وأخواتهم، فإن قيل لهم: لِم تفعلون، قالوا: قضاء الله وقدره، قال عليه السلام:(( سيكون من أمتي مَن يقولون ذلك، وأولئك مجوس أمتي ) ) [2] .
كما تجلَّت في تستُّرهم تحت التصوف والتشيع لإيجاد فِرَق باطنية عرَف الفكرُ الإسلامي خطرها وشرها [3] ، وخصوصًا في مجال تأويل فِرَق النصوص والخروج بها عن ظاهرها، وقطع الصلة بينها وبين أسباب نزولها تمهيدًا لاستغلالها في مكائدهم [4] .
ويُقرِّر ابنُ حزم الأندلسي أن مكايد الفرس كانت سببًا في خروج أكثر الطوائف الغالية، وبخاصةٍ طوائف الشيعة، عن الإسلام، ويرجع ذلك إلى أن زوال دولتهم على أيدي العرب، والفرس كانوا يظنون أنهم أحرار، وغيرهم - والعرب منهم - عبيد، جعلهم يكيدون للإسلام بالمحاربة، فرأَوا أن كيده على الحيلة أنجح، فأظهر قومٌ منهم الإسلام، واستمالوا أهلَ التشيُّع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشناع ظلمِ عليٍّ رضي الله عنه، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن الإسلام) [5] .
ويذكر ابن حزم الغلاةَ الذين اشتهروا بهذا كالحلوليين، ومسقطي الشرائع، ومنكري النبوات وغيرهم.
أما اليهود والنصارى، فقد شاركوا الفرس وغيرهم في إثارة الشكوك، وبثِّ الفُرقة بين المسلمين، ففكرة الجبر التي تقضي بأن الإنسان مجبور لا إرادة له، قيل: إن أول مَن دعا إليها يهودي بالشام وتعلمها منه
(1) انظر: أبو زهرة/ تاريخ الجدل، والملل والنحل في أماكن متفرقة، وابن حزم/ الفصل (خمسة أجزاء) ، والفَرْق بين الفِرَق.
(2) أبو زهرة، تاريخ المذاهب، 1/ 117.
(3) ابن تيمية، الفرق بين الحق والباطل/ 157، وقد سبقت إشارتنا إلى ذلك.
(4) البغدادي، الفرق بين الفرق، 281 - 321، تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد.
(5) الفصل 2/ 15.