فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 102

الجعد بن درهم ونشرها بين الناس بالبصرة، وتلقاها عن الجعدِ الجَهمُ بن صفوان، الذي أضاف إلى فكرة الجبر أفكارًا أخرى ليست من الإسلام في شيء، وفي صدد الحديث عن الجعد بن درهم يقول صاحب سرح العيون: (تعلم منه الجهم بن صفوان القول الذي نسب إليه الجهمية، وقيل إن الجعد أخذ ذلك عن إبان بن سمعان وأخذه إبان عن طالوت بن أخت لَبيد بن الأعصم اليهودي) [1] ، وأخذها طالوت من لَبيد بن الأعصم اليهودي.

وهذه الرواية لا تنفي إسهام الفرس وغيرهم في بثِّ بذور الفُرقة بين المسلمين، والشيء نفسه نجده عند النصارى كما يروى، قيل: إن أول من تكلم في القدر رجل من أهل العراق كان نصرانيًّا فأسلم ثم تنصر، وأخذ عنه معبد الجهني وغيلان الدمشقي.

ومن هذا نرى: أن الفكرة دخيلة في الإسلام، راجت بين المسلمين من عنصر أجنبي دعا إليها باسم الإسلام وهو يضمر غيره [2] .

وإلى جانب هذا كان اليهود يُثيرون من الأفكار ما يدعو إلى الردِّ والمناظرة، فقد شكَّك أحدهم أهلَ البصرة في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الوقوف عند نبوة موسى، فهي الثابتة دون غيرها، الأمر الذي جعل علماء السلف يُناظرون هذه اليهودي وغيره ويُفْحِمونهم.

كما ادَّعى بعضهم أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى العرب خاصة، بل ادَّعى هذا - وهو عيسى بن يعقوب الأصبهاني - النبوة لنفسه، وزعم أن الله تعالى كلَّمه، وأنه أرسل مِن قبل المسيح المنتظر [3] .

كذلك كان اليهود وراء مشكلات كثيرة؛ مثل مشكلة خلق القرآن، والدعوة إلى فهم النصوص على ظاهرها في مسألة الصفات، مما أدى إلى التمثيل والتشبيه [4] .

كذلك كان بعض النصارى يعلِّمون أتباعهم كيف يجادلون المسلمين بطريقة تُشكِّكُهم في عقيدتهم؛ كما فعل يوحنا الدمشقي الذي كان يعلم النصارى حوارًا، (إذا سألك العربي: ما تقول في المسيح؟ فقل: إنه كلمة الله، ثم ليسأل النصراني المسلم: بم سمي المسيح في القرآن؟ وليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيب المسلم، فإنه سيضطر إلى أن يقول: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] ، فإذا أجاب بذلك، فاسأله عن كلمة الله ورُوحه، مخلوقة أو غير مخلوقة،

(1) ابن نباتة المصري، سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون/ 125، وتاريخ المذاهب الإسلامية 1/ 117، الفتاوى لابن تيمية 5/ 20.

(2) تاريخ المذاهب 1/ 125.

(3) الملل والنحل، 2/ 55.

(4) السابق، 1/ 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت