فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 102

فإن قال مخلوقة، فليرد عليه: بأن الله كان ولم تكن كلمة ولا روح، فإن قلت ذلك: فستفحم العربي (يعني المسلم) ؛ لأن مَن يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين [1] .

وواضح أنها المغالطة التي يرمي مِن ورائها إلى تراجع المسلم عن عقيدته حول خلق المسيح من جهة، كما يهدف عن طريق المغالطة إلى أن يصل إلى أن المسيح قديم مشارك لله صفاته [2] ، والمعلوم أن السلف فصَّلوا فيما يجب لله من كمال يليق به، وردُّوا على نفاة الصفات وعلى غيرهم من الفرق الضالة، والقرآن قد وضح عقيدة المسلمين في عيسى ابن مريم وأنه عبد الله ورسوله.

فإذا أفضنا إلى ذلك إثارتهم لشبهٍ تتعلق بأمور مثل تعدد الزوجات والمحلِّل، وأضفنا أكاذيبَهم حول شخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وسيرته، ومسألة الحجر الأسود، كل هذا يؤكد أثرَهم - كغيرهم من اليهود والفرس - في إثارة جدل تصدَّى له علماء الكلام أحيانًا، كما تصدى له الفقهاء أحيانًا أخرى [3] .

الاتصال بالثقافات الأخرى:

عامل لا يمكن إغفاله، ونعني به ما سعى المسلمون إلى تحصيله من الأفكار عن طريق الترجمة إلى العربية التي ابتدأت في عهد الأُمويين، وقد كان تأثير هذا العامل وسط الجو المضطرب بتيارات وتشكيكات بالغ الأهمية، فقد عرَف المسلمون المنطق الأرسطي - مع أن قَبوله لم يكن من جميعِ المسلمين في درجة واحدة، بل حُورب من البعض - واستخدموه في صياغة البراهين والأدلة إلى جانب طرقهم الإسلامية في الاستدلال.

كما عرَفوا مصطلحات جديدة من الفلسفة الطبيعية؛ كالجواهر، والأعراض، والأجسام، والحركة، والزمان، وغيرها.

وإذا كانت الترجمة واتصال الثقافة الإسلامية بغيرها قد أحدثت اضطرابًا وجدلًا في باب المصطلح، وفي باب المنهج في الاستدلال، فإن الخطر الحقيقي يكمن فيما دُسَّ من أفكار عن طريق الترجمة، استهدفت نشر عقائد الفرس والمجوس وتقديم ما يطعن في الإسلام.

وقد وضح هذا من كتاب كَلِيلة ودمنة الذي ترجمه عبدالله بن المقفع (139 هـ) ؛ ليكون لهوًا في الظاهر، وتسلية للخواصِّ والعوام، باعتباره يتحدث عن الأخلاق والآداب على ألسنة الحيوانات والطير، ويكون في حقيقته أكبر وأخطر؛ حيث أضيف إليه في العربية باب يسمى (باب برزويه) ، ليس منه في الأصل

(1) أبو زهرة، أبو حنيفة، 86.

(2) مدكور، مذكرات في علم الكلام/ 11.

(3) أبو زهرة، أبو حنيفة، 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت