فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 102

عالم غيب، وعتاةُ الماديين يتحركون في إطار علم غيب خاص بهم) [1] ، وهذه الحقيقة لها أهميتها؛ حيث يتميز كل فكر بغيبياته وصلاحيتها للحياة، مما يلزمنا بضرورة أن نوضح غيبيات حضارتنا، وعقيدتنا التي أخرجت فكر هذه الحضارة، وأن نرسخه في أذهان شبابنا، وبين يدي دعوتِنا غيرَنا للإسلام إذا كنا نريد أن نقيم بعثنا الجديد على أسس عقَدية وعملية في آنٍ معًا، غير مخدوعين برواج شكلي للحضارة الغربية، وغير مُتجنِّين عليها في آنٍ معًا.

وإذا كانت عقلية الإنسان الغربي قد صِيغت وَفْقَ أفكار معينة؛ مثل نظرية التطور، أو صراع الطبقات عند ماركس، أو الجنس عند فرويد، أو الوضعية في صورتها الجديدة، وقد أدَّى هذا إلى تعميمٍ ساد كلَّ المواقف للإنسان الغربي، حتى إنه في مجموعه لم يهتمَّ بمراجعة المقياس الذي أشرنا إليه وصار تُرسًا في آلة النمط الفكري الذي فرضه غيب هذه الحضارة المادية.

أقول: إذا كان هذا صنيع الغيب الغربي بأهله، فإن الغيب في الفكر الإسلامي ينطلق مِن عقيدة التوحيد بما تَعنيه من جمع همة إنسان الحضارة، ومِن العبادةِ غاية الوجود الإنساني بما تعنيه من ترشيد السلوك وترقية الحس والروح، ومن معيار الأفضلية (التقوى) تقويمًا للجهد الإنساني في مساره وغايته، ومن مكان طاقات الإنسان في العقيدة من قلب وعقل وحواسَّ، طريقًا إلى تكامل كيان الإنسان وهو يسلك طريقه حلًّا للمشكلات في الدنيا، وطلبًا لثواب الله في الآخرة، كل هذا في ضوء مسؤوليةٍ انبَنَت على الاختيار الحر الذي أراده الله للإنسان طريقًا للتكليف [2] .

وبهذا فإنَّ الحاجة ماسَّة إلى التعرُّف على غيبِنا وعقيدتنا تعرفًا يغلغل فاعليتها في الحياة ويجعل الفكر طريقًا لتجسيد هذا الغيب، وخطوة على الطريق استخلاف الإنسان للعبادة والعمارة لهذا الكون.

إذا كان من المقرَّر أن التفكير عمليةٌ ترتبط بوجود الإنسان وامتلاكه لقدراته واستخدامه لها، وأن الفرق في ناتج هذه العملية هو في الكَمِّ لا في النوع - مع التجوز في استخدام لفظتَي الكم والنوع هنا - وأن لكل فكرٍ مبادئه ووسائله وغاياته.

أقول: حين يتقرَّر هذا - من وجهة نظرنا على الأقل - فإن المسلمين لا بد أن يُمارِسوا التفكير، وأن يكون لهم فكرٌ يتمايز عن غيره بمقدار ما يلتزم مبادئه ومعتقداته، ويستمر وجوده وفاعليته بقدر ما يقدم للحياة من عطاء تحتاجه الحياة، ويسهم في خدمة الأحياء وبصفة خاصة الإنسان، وإذا كان الفكر عملية يمارسها كل الناس، فإن التفكير العلمي خاص بالعلماء.

(1) سيد دسوقي حسن، (د) ، مقدمات في البعث الحضاري / 25، المكتب المصري الحديث، د ت.

(2) السابق، 26 - 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت