المبحث الرابع
الوحدة الفكرية للأمة - مدخل إلى بعث جديد
أؤمن - بعد تعرف مناسب للفكر والتاريخ والواقع - أن الارتباط بين العقيدة والفكر والسلوك جد وثيق، فلا سلوك يستقيم إلا بناءً على فكر سليم، ولا فكر يتصف بهذه الصفة ما لم ينبثق من معتقد صحيح.
وأؤمن كذلك أن الحديث عن الحضارة الإسلامية في مرحلة ازدهارها وإسهامها الفعَّال ينبغي ألا يكون خلوًا من الربط بين هذه الحضارة، باعتبارها إنجازًا بشريًّا وأصولها العقدية بين أسسها الفكرية.
وبقدر ما يتاح للأمة أن تلتقي على هذه الأصول، بقدر ما يكون توحدها حتى وإن كان هناك بعض المخالفين لرأي الجماعة، وحين يكون التوحد الفكري المبني على التوحيد كغيب دافعًا لحضارتنا، تكون الهمة الحضارية التي تؤدي إلى ما عرفه التاريخ يومًا عن المسلم صانع الحضارة.
• ولأننا نبحث الآن عن مخرج من التيه والانمياع الذي وضعنا فيه أعداؤنا وساعدناهم نحن - بشكل أو بآخر - على ذلك، بل على أن نبقى طويلًا فيه، ولا نكاد نستيقظ إلا والهزال يضرب في أعماق جسم الأمة؛ نظرًا لأنها بعدت عن مصدر القوة أو أبعدت، وكلاهما شرٌّ ذاقت ويلاته أمتنا الإسلامية.
أقول: لأننا نبحثُ عن مخرج، تتعالى فيه الصيحات بضرورة المشروع الحضاري للأمة تجمع وحداته من منطلقات الأصول والتاريخ والواقع واستشراف الغد، ونحن نرى أن هذا المشروع المبتغى لا بد أن يستند على أساس فكري موحد، يسمح بالاجتهاد، وينبذ الجدل العقيم؛ وذلك حتى لا يضيع وقت وجهد، نحن في أشد الحاجة إليهما.
وهذه الصفحات التي نتحدث فيها عن الوحدة الفكرية هي مقدمات وتمهيدات أكثر منها خططًا وتفاصيل؛ لذا جاء هذا المبحث في مطلبين اثنين: مقومات الوحدة الفكرية - إمكانية تحقيق الوحدة الفكرية.
فيغلب على ظننا - والله أعلم - أنها بدايات لاجتهادات ومحاولات تخدم القضية المطروحة وتنثر سائر جوانبها، وحسبنا أن نبدأ مع كثيرين غيرنا من أصحاب الهمم والإحساس بثقل التبعة تجاه أمتنا التي تبحث عن طريق لتعود مرة أخرى خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف التي تتمثله، وتنهى عن المنكر الذي ترفضه، انطلاقًا من إيمانها بالله تعالى وتطبيقًا لمسؤوليتها، وتحقيقًا لطبيعتها، {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المؤمنون: 52] ، هذا والله المستعان.