وفي ضوء هذا كان الحديث عن أجر المجتهد أصاب أو أخطأ، وكانت التفرقة بين وحدة الحق في مصادره من عند الله، وتعدد الرؤى تجاه هذا الحق، مما جعل بعض الأصوليين يرى أن ما نقضي به (الحكم) بالحق ينبغي أن نتحوط فيه، فلا نقول: هذا حكم الله؛ لأننا لا ندري أنصيب بفهمنا حكمَ الله أم لا، فقد جاء في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فإن سألوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله؛ فإنك لا تدري أتصيب حكمَ الله تعالى فيهم أم لا ) ) [1] .
وهنا نؤكِّد ما أشرنا إليه آنفًا من قضية الثبات والتغيُّر، فنقرِّر أن الحق واحد ثابت، وأن الفهم لهذا الحق - والوقائع فيه - يتغير بتغيير الأشخاص أو الأزمان أو الأمكنة، وهذا يجعلنا نفرِّق بين العقائد الثابتة وبين الأفكار المتغيرة، (إننا يجب ألَّا نخلط بين العقائد السماوية وبين علم الأفكار الذي انبثق عنها، والعقائد في جملتها إيمانيَّة، وهي تمثل الأسس التي قام عليها عالم الأفكار، والطرائق التي انبثق بها عالم الأفكار من العقيدة طرائق عقلية وليست إيمانية، ومن هنا ينبغي أن نتحفظ في دفاعنا عن عالم الأفكار، فهو يعتمد الاجتهاد في طرائق انبثاقه من العقيدة، وكل اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ) [2] .
الثانية: أنَّ الاختلاف أو الخلاف المسموح به ينبغي أن يظلَّ في دائرة النصوص والمعتقدات، وإلا كان الخلاف المذموم الذي لا يؤدِّي إلى وحدة فكر بالمعنى السابق؛ لأن الهوى أو اتباع آراء السابقين حتى لو خالفت الحق - كما يذكر الشاطبي - أبعدت المجتهد عن دائرة الاجتهاد الذي يوحِّد الفكر، وأدخلته دائرة أخرى تجعل من الأمة أممًا، ومن الأصول مذاهب لا تنتسب إلى هذه الأصول.
وقد أطال الشاطبيُّ الحديث عن الأسباب التي تؤدِّي إلى الاختلاف فتفترق الأمة إلى مبتدعة وملتزمين، وذكر أن ذلك إمَّا يكون بسبب الاختلاف في أصل الِّنحلة كالخلاف الذي بين اليهود والنصارى والمسلمين، وقد يكون بسبب اتِّباع الهوى في فهم النصوص، وقد يكون بسبب التقليد للآباء والسابقين حتى لو خالفوا بذلك الحقَّ، ثم يقول: (هذه الأسباب الثلاثة راجعة في التحصيل إلى وجه واحد، وهو الجهل بمقاصد الشريعة، والتخرص على معانيها بالظنِّ من غير تثبُّت، أو الأخذ فيها بالنظر الأول، ولا يكون ذلك من راسخ العلم ... ، وقد وقع لابن عباس تفسير ذلك على معنى ما نحن فيه، فخرَّج أبو عبيد في فضائل القرآن، وسعيد بن منصور في تفسيره، عن إبراهيم التيمي قال: خلا عمر بن الخطاب ذات يوم، فجعل يحدِّث نفسه: كيف تختلف هذه الأمَّة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، وقِبلتُها واحدة - زاد سعيد: وكتابها واحد؟ - قال: فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنما أُنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيم أنزل، وإنَّه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان كذلك اختلفوا، وقال سعيد:
(1) السيد نعمان خير الألوسي، جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، 166، دار الكتب العلمية ببيروت، د. ت.
(2) سيد دسوقي، ومحمود سفر، السابق: 39.