فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 102

فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، قال: فزجره عمر وانتهره عليٌّ، فانصرف ابن عباس ونظر عمر فيما قال فعرَفه، فأرسل إليه وقال: أعد عليَّ ما قلتَه، فأعاد عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه.

وما قاله ابن عباس رضي الله عنهما هو الحق؛ فإنه إذا عرَف الرجل فيما نزلت الآية أو السورة، عرَف مخرجها وتأويلها وما قصد بها، فلم يتعدَّ ذلك فيها، وإذا جهل فيما أنزلت احتمل النظر فيها أوجهًا، فذهب كل إنسان مذهبًا لا يذهب إليه الآخر وليس عندهم من الرسوخ في العلم ما يهديهم إلى الصواب أو يقف بهم دون اقتحام حمى المشكلات، فلم يكن بدٌّ من الأخذ ببادي الرأي، أو التأويل بالتخرُّص الذي لا يغني من الحقِّ شيئًا؛ إذ لا دليل عليه من الشريعة فضَلُّوا وأضلوا [1] .

إذًا، هناك فرق بين اختلاف المجتهدين الذين يملكون أدوات الاجتهاد، والمتخرِّصين دون امتلاك آلات الفهم والاستنباط؛ بل إن هؤلاء الآخرين قد فتحوا البابَ أمام الابتعاد عن المصادر خطوة خطوة، الأمر الذي يبدو جليًّا في بعض مثقَّفي الأمة الإسلامية حين لا ينطلقون من عقيدتهم وضوابط الغيب، وأوامر العلم فيها، قدر ما ينطلقون من رؤى وضوابط غريبة عن الإسلام، وهذا ما عناه أحد الباحثين المعاصرين بما سماه (أزمة المثقفين) حين انفصلوا عن الإسلام خلافًا جوهريًّا؛ لأن هؤلاء المنفصلين من المذهبية الإسلامية في وادٍ، وغيرهم في وادٍ آخر.

بينما كان الفكر الإسلامي - عبر مراحله التاريخية - مصرًّا على الانطلاق من المبادئ الإسلامية، ومستندًا في وجوده وفي الاستدلال على شرعيته إلى نصوص من الكتاب والسُّنة، حتى وإن بدا الافتعال واضحًا في بعض الأحيان [2] .

هكذا ينبغي أن تشغل النهضة الإسلامية الجديدة بقضية توحيد منطلقات الفكر الإسلامي مصادر ومناهج - كما سيجيء إن شاء الله - لِما لذلك من أهمية قصوى وبخاصة في حركة البعث الجديدة التي بدأت الأمَّة خطاها على طريقها بعد اضطراب طويل.

وتوحيد المنطلقات الذي أشرنا إليه يقبل الاجتهاد - كما أشرنا - دون أن يخسر العلم أو تهتز قِيَم الأخلاق صِلَة ومودَّة بين العلماء، وصفحات الفِكر الإسلامي ملأى بالحوار والمناظرة في حدود أدب الاختلاف كمنهاج مرتبط بضرورة الاجتهاد وإعمال العقل [3] ، دون أن يؤثِّر حبُّ التلميذ لشيخه على خدمته للحقيقة، وحسبنا أن نشير إلى موقف الإمام الشافعي؛ فهو قد ناظر محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة، من أجل شيخه مالك بن أنس رضي الله عنه، وأحقيَّتِه بالعلم من أبي حنيفة، (وقال

(1) الشاطبي، الاعتصام، 2، 183، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1402 هـ، 1982 م.

(2) انظر: محسن عبدالحميد، (د) أزمة المثقفين، 6، دار الصحوة 1984 م.

(3) ابن عبدالبر، جامع بيان العلم وفضله، 1، 141 - 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت