فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 102

إلى العمل تعلمنا شيئًا مخالفًا للخلط الذي ورثنا، فالنصوص الإسلامية تقرن العلم بالعمل وتنعى على المؤمنين قولًا دون عمل، وقد خطت الحضارة الإسلامية خطوات ناجحة في هذا الصدد [1] ؛ وذلك لأنهم علموا قول بعض السلف: (العلم يهتف بالعمل، فإن أجاب حَلَّ، وإلا ارتحل) [2] ، وهذا فهم من علم ابن مسعود قال مخبرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يقرئهم العشر، فلا يجاوزونها حتى يتعلموا ما فيها من العمل [3] .

فإذا أضفنا إلى هذا أن علماءنا تكلموا في الصناعات وأهميتها، وأنه لا بد منها لضرورة التعاون البشري، (فإن لقمة الطعام لو عددنا تعب تحصيلها من حين الزرع إلى حين الطحن والخبز وصناع آلاتها لصعب حصره) ، بل إنهم تكلموا في مناسبة بدن الإنسان لصناعة معينة، فهو يرضى بها ولا يتحول عنها؛ لأنه بها اشتهر، وفيها تفوق، كما تكلموا في مسائل أن الصناعات يجب أن تتعلم بأدبها لينفع صاحبها الناس، ولا يتدنى بالعمل والحرفة، وفي كل هذا أعطي العلم النظري قدره دون حيف على العمل والحِرف والصناعات [4] ، ولعل هذه النظرية تشد انتباهنا ونحن ننادي بأن يكون التعليم في خدمة المجتمع.

إذا كان التعليم مخ الحضارة؛ كما عبر بذلك أحد الباحثين [5] حين ناقش قضية مناهجنا التعليمية في ضوء المهام القومية (كما عبر هو) ، أقول: إذا كان التعليم كذلك، فإننا حين نريد بناء أمتنا من جديد، وحين نريد تغيير وضعها إلى مكانها اللائق بها، فإن علينا أن نهتمَّ بالتعليم باعتباره أفضل الطرق في التغيير نحو الأفضل والأمثل.

والتعليم عبارة عن طالب يجب أن تهيئه التنشئة الأولى لمفاهيم صحيحة بالنسبة للتعليم ورسالته في الحياة، وحتى لا يتقوقع في فهم أن التعليم مجرد طريق لكسب وظيفة يتعيش بها.

والتعليم كذلك معلم يمكن أن يحول النص إلى حركة، ويشتق منه المعاني التي تخدم قضايا حياتنا، بعيدًا عن التجريدية والمثالية الحالمة، وهذا الواجب لا يقوم به إلا مَن أعد لهذه المهمة وعرَف أبعاد رسالته، وقبِل صعوباتها طلبًا للأجر من الله سبحانه.

(1) يحيى هاشم (د) بحوث في الفلسفة، 203، طبعة، 1986 م.

(2) محمد سليمان أخلاق العلماء، 225 طبعة الأزهر.

(3) تفسير القرطبي، 391.

(4) الذريعة 275 - 420.

(5) سيد دسوقي، (د) ، التعليم مخ الحضارة، بحث قدم إلى ندوة التصورات المستقبلية لجامعة الخليج العربي، 26 رجب 1 شعبان، 1403 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت