فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 102

ويذكر الشهرستاني أنها قد أثيرت أيضًا على ألسنة المنافقين الذين قالوا يوم أُحُد: {هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} [آل عمران: 154] ، وقولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154] ، وقولهم: {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران: 156] ، فهل ذلك إلا تصريح بالقدر؟! [1] .

نقول: قد لا يكون هناك جذورٌ للقضايا التي طال الجدل فيها بين الفِرَق، كما ذكرنا أمثلة منها، لكن هذه الجذور لم تكن بالقوة التي تُثير جدلًا وتخلق بَلْبَلة، وأظن الأمر يختلفُ كثيرًا إذا قُورِن بما أحدَثَه الخوارج إثر خروجِهم بعد مسألة التحكيم وما ناقشوه من قضايا مرتكِب الكبيرة، وتكفيرهم غيرهم، وما تبِع هذا من موقف المرجِئة الذين غالى بعضُهم؛ إذ اعتبر أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة [2] .

كذلك إذا نظَرنا إلى القدَرية وجدنا أن ما كان في آخر عصر الصحابة - والذي امتدَّ إلى العصر الأموي والعباسي - أصبح شيئًا آخر غير الجذور الأولى خطرًا وفكرًا.

يقول ابن تيمية: (ثم حدث في آخر عصر الصحابة القدريةُ، وأما القدرية، فخاضوا في قدره وبالباطل، وأصل ضلالتهم أن القدر ينافي الشرع ... ، فصاروا حزبينِ: حزبًا يغلب الشرع فيكذِّب بالقدر ويَنفيه أو ينفي بعضه، وحزبًا يغلب القدر فينفي الشرع في الباطن، أو ينفي حقيقته، ويقول: لا فرق بين ما أَمَر الله به وما نهى عنه في نفس الأمر الجميع سواء) [3] .

وكذلك فإن الجبر أصبح نِحْلةً، واعتنقه ناسٌ يَدْعون إليه ويَدْرُسونه ويُبيِّنونه للناس، وسواء كان أصله نِحْلة يهودية؛ كما يقول ابن نباتة المصري صاحب (سرح العيون في رسالة ابن زيدون) ، أم هو نحلة أصلها فارسي؛ كما يذكر المرتضى في (المنية والأمل) - فإن المقرر أن الجبر أحدث جدلًا طويلًا على الساحة الفِكْرية أخذ المعتزلة موقفًا مضادًّا له، وأخذ الأشاعرة موقفًا متوسطًا، وفي كل ذلك جدل ومناظرات كانَتْ سِمَة العصر وطابع الفكر الإسلامي آنذاك [4] .

• أقول: في ضوء الحقيقتين السابقتين يجب أن ننظر إلى الفِرَق باعتبارها عاملًا هامًّا في ازدهار حركة الجدل الديني في القرن الثاني والثالث الهجريينِ، ومقارنة معتقدات كلٍّ وأصولها بمعتقدات وأصول غيرها، ثم رصد ما حدث بينهم من مناظرات ومراسلات يظهر أثرهم في الفكر الإسلامي، وليس تفصيل هذا

(1) الملل والنحل 1/ 18.

(2) الملل والنحل 1/ 185، 186، البغدادي الفرق بين الفرق/ 20، 72، تحقيق محيي الدين عبدالحميد، دار المعرفة/ بيروت/ د ت).

(3) ابن تيمية/ الفرقان بين الحق والباطل/ 158/ (الجزء الأول من الرسائل، طبعة صبيح) .

(4) أبو زهرة/ مالك/ 117 - 121، وأبو حنيفة/ 80 - 90، (دار الفكر العربي، د ت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت