فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 102

وقد أدَّى هذا الفهم الغريب للتوحيد بفِرْقة كالمعتزلة - والتوحيد واحدٌ من أصولها الخمسة - إلى أن تنفيَ عن الله تعالى أكثر الصفات الثبوتية؛ كالقدرة والإرادة والعلم، وبحجَّة أن هذا يتنافى مع التوحيد، ويقترب بالمسلمين من تعدد كتعدد النصارى، كما أدَّى بهم فهمُهم هذا إلى التأويل في الصفات الخبرية التي تُثبت لله يدًا وعينًا وغير ذلك، وقد أوقعهم فهمُهم هذا إلى القول بخلق القرآن وما جرَّه على المسلمين من بلاء واضطراب.

وقد أدَّى بهم هذا الفهم إلى جدلٍ طويل مع الفِرَق الأخرى، وعلى رأسهم الأشعرية الذين يخالفوهم الرأي، وكما أدى بهم إلى أن وصفَهم غيرُهم بأنهم المعطِّلة، وأنهم أخذوا آراءهم هذه من الزنادقة [1] .

وليت الأمر يقفُ عند الجدل؛ بل هو مخالفة صريحة للنصوص القرآنية الواردة في هذا الصدد، (وسواء أخذ المعتزلة آراءهم هذه عن الزنادقة؛ كما يذكر الأشعري، أم عن الفلاسفة؛ كما يذكر الشهرستاني - فإن رأي المعتزلة لا يشهد له الشرع، بل إنه يؤدي إلى إنكار كثيرٍ من آيات القرآن التي تصف الله سبحانه بصفات العلم والقدرة والإرادة وغيرها) [2] .

الحقيقة الثانية: هي أن كثيرًا مما أُثِير بين الفِرَق، بل مما أَخذتِ الفِرَق منه أسماءها قد يكون له جذورٌ أسبق من القرنين الثاني والثالث، كما يرى مثلًا بعض العلماء من أمور القدر والجبر والخروج، فالخروج الذي يعني مخالفةَ الإمام الحق، يرى البعض أن جذوره تمتد إلى يوم أن قال ذو الخُوَيصِرة التَّميمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عقب قسمتِه لذهبة أتته من اليمن:"اعدِلْ يا محمد، فإنك لم تعدل"، حتى قال عليه السلام: (( إن لم أعدِلْ فمَن يعدلُ ) )، فعاود وقال:"هذه قسمة ما أُريد بها وجه الله تعالى"!

ويقول الشهرستاني عن هذا الموقف: (ولو صار مَن اعترض على الإمام الحق خارجيًّا، فمن اعترض على الرسول الحق صلى الله عليه وسلم أَوْلَى أن يصير خارجيًّا، أوَليس ذلك قولًا بتحسين العقل وتقبيحه؟ وحكمًا بالعقل في مقابلة النص، واستكبارًا على الأمر بقياس العقل؟!) [3] .

كذلك فإنَّ مسألة القدر والجبر قد أُثيرت على ألسنة المشركين، كما يحكي الله تعالى عنهم في قوله: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148] .

وواضح أنهم لا يريدون الاعتذارَ عن القبائح التي يعتقدونها، بل مرادهم بذلك الاحتجاجِ على أن ما ارتكبوه حقٌّ ومشروع، ورضي اللهُ عنه بِناءً على أن المشيئة والإرادة تساوي الأمرَ عندهم!

(1) أبو الحسن الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة/ 31، طبعة جامعة الإمام ابن سعود الإسلامية/ 1403 هـ.

(2) مدكور/ السابق: 35.

(3) الشهرستاني، الملل والنحل/ أ/ 18 (بهامش الفصل) ، ابن الجوزي تلبيس إبليس/ 90، (دار المعرفة/ بيروت/ د ت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت