أقول: سواء جاءت المعالجةُ بهذه الصورة أو تلك أو غيرهما، فإن المؤكَّد أن القرآن قد بيَّن (أن الإيمان بإلهٍ واحد، له صفات الكمال والجلال، لا شريك له في ملكه، ولا نظير له في الخلق والإيجاد والتأثير والتقدير، هو الذي يتفق مع ما نشاهده ونلاحظه من دقة ونظام في هذا الكون الذي يجري على سنن ثابتة وقوانين مطَّردة لا تختل ولا تختلف) [1] .
وكما اهتمَّ القرآن بإرساءِ أصل التوحيد - وهو عقيدة الإنسان حين لم تنحرف فطرته - اهتمَّ كذلك بمحاربة الانحراف الذي حدث عند بعض الأقوام عند هذا الأصل، مُعيدًا الناس إليه: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51] ، {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: 73] .
وبنفس المنهج يدحض فِرْية الشركاء والمشركين في كثير من الآيات، والقرآن في إرسائه أصلَ العقيدة على التوحيد، يربِطُ بين هذا الاعتقاد والعمل المرتبط به، كمظهر عملي للتوحيد الذي يُمثِّل أساس البناء ومنهج الحركة في الحياة [2] .
نقرأ مثلًا قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت: 6] ، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] .
والتذكير بهذه الحقيقة يُظهِر أثرَ الفرق فيما جدَّ على الناس من جدل واختلاف، كفَّر البعضُ فيه مَن ليس على فكرِهم؛ ذلك أن اهتمامَ القرآن بالتوحيد إنما هو مِن باب تصحيح عقيدةٍ، يرى أكثر الباحثين أنها عقيدة الإنسان منذ نشأته، وأن هذه العقيدة لم تنفكَّ عنها أمة من الأمم، وأن الإنسان قد انجرف إلى ألوانٍ من الوثنية والتعدد لم يكن عليها في القديم [3] .
ولنفس الغايةِ كان الاهتمام بدحض شبهات الشرك والتعدد، ومجادلة المنحرفين من أهل الكتاب، وقد جاء الحديث عن صفات الله الواحد القادر المريد، بما لا يُحدِث انفصالًا بين الذات والصفات، وقد فهِم سلف الأمة هذه الحقيقة فساقوا الكلام سوقًا واحدًا، ووصفوا الله بما وصف به نفسَه، فإذا جئنا إلى التوحيد لدى فِرَق المتكلمين وجدنا تشقيقات ليس للمسلمين بها عهد، فهناك علاقة الصفات بالذات الإلهية، وهل وجودها يتعارض مع الوحدانية أم لا؟ وهناك مَن لا يفرقون بين صفات الله المتفرد بالجلال والذي ليس كمثله شيء، وبين صفات مخلوقاته تشبيهًا أو تمثيلًا، وهناك غير هذا من مهاترات الفِرَق، وتشقيقات المجادلين.
(1) د. عبدالحميد مدكور، مذكرات في علم الكلام/ 28، (دار العلوم 1976) .
(2) مدكور/ مذكرات في علم الكلام/ 29.
(3) د. محمد عبدالله دراز: الدين/ 112، 113، (الطبعة الثانية) .