لكن هذه النصوص تحتاج إلى عملية عقلية تتأمَّل النصوص وَفْقَ قواعد الاستنباط أو المنهج العلمي للتفكير، والدعوة إلى هذه العملية موجودةٌ في النصوص حفزًا على التعلم والتفكر، ودعوة إلى تتبع روافد المعرفة من نص ومن آيٍّ لله في الكون والناس، وهي ما أسميناه بالتفكير الذي يكون مستحقًّا للقلب (الإسلامي) حين ينضبط بالمرجعية والمنهج في موضوع بحثه.
ولأن الإنسان ليس عقلًا فقط؛ فهو مزوَّد بطاقات الحس والقلب ونحوها، احتاج لكي يلتزم بما فهمه العقل من نصوص، احتاج إلى ترسب هذا الفهم في الوجدان فتنفعل به طاقات الإنسان فيخرج سلوكًا ملتزمًا بالفكر المنبثق من عقيدة وغيب خاص به.
إذًا، الفكر الإسلامي - أو نتاج العقل المسلم - واسطة بين النص والسلوك، مصدره النص، ووظيفته تغيير السلوك إلى مقتضى ما جاء في الكتاب والسنة.
والذين اختارهم الله لهذا العمل، هم مقتدون بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في مهمة الفهم والتبليغ بما يستلزمه من جهد في الاستنباط، {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] ، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إنما أنا لكم مثل الوالد أُعلِّمكم ) ) [1] ، والرجاء مِن هذا العلم والتبليغ هو الانفعال به، والاقتناع الذي يدفع إلى سلوك، {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] .
وفي ضوء هذه الإشارات ينبغي أن نفهم الجانب العملي المعلم في الإسلام (إنما العلم للعمل) ، وحرمة كتمان العلم: (( مَن سُئِل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار ) ) [2] .
ومسؤولية العلماء في نصح الحكام والعامة على السواء، (( العلماء ورثة الأنبياء ) ) [3] ، وهذه السِّمة العملية للفكر الإسلامي تُبرِز اهتمامه بالواقع ومحاولة ترشيده وتوجيهه نحو الأفضل والأمثل.
وإسهامات العلم الإسلامي في مجالاته المختلفة هو الدليل العملي على تبنِّي العلماء لقضايا عصورهم، وعلى آثارهم في حياة الناس في كل عصر، فضلًا عن أثرهم على الحضارة العالَمية؛ حيث أتيح لها أن تتعرَّف إلى العلم الإسلامي في بغداد وقرطبة وغيرهما من عواصم بلاد المسلمين.
ومن هنا كان مِن الفكر الإسلامي ما قدَّمه علماء المسلمين من اهتمام ودراسات بعقيدة السلف، أو الأخلاق، أو التعليم، وكذلك ما تقدمه من تصور لوحدة فكرية للأمة الإسلامية.
(1) رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
(2) مسلم، كتاب العلم.
(3) جزء من حديث؛ فتح الباري، 1/ 160، كتاب العلم.