من وجوده، وتأخر معهم تلاميذهم الذين هم سائر المسلمين، أم قد ارتفع هذا السبب من بينهم، ولم يبقَ من الإيمان إلا اسمه، ومن الإسلام إلا رسمه، ومن القرآن إلا الترنُّم به، دون العمل بأوامره ونواهيه، إلى غير ذلك مما كان في صدر الملَّة ... ، إذا فحصنا عن ذلك وجدنا أن السبب الذي به استقام هذا الأمر قد أصبح مفقودًا بلا نِزاع، وإن كان بقي منه شيء كباقي الوشم في ظاهر اليد) [1] .
ويفصِّل القول في بيان أن عزَّة الله للمؤمنين ونصره لمن ينصره، محكومان بقانون: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] ، ثم يقول:
(فلما كان المسلمون قد غيروا ما بأنفسهم، كان من العجب ألا يغير الله ما بهم وألا يبدلهم الذل والضعة من ذلك العز وتلك الرفعة، بل كان ذلك يعد منافيًا للعدل الإلهي، والله عز وجل هو العدل المحض) [2] .
وإذا كان العلاج يرتبط دائمًا بتشخيص المرض، فإن التغيير الذي ننشده بمشروع حضاري إسلامي يعلن الهُوِية للمسلم المعاصر، لا بد أن يستفيد من صفحات مشرقة كانت من ترديات وتراجعات تمَّت، كل ذلك في ضوء دراسة التاريخ الإسلامي تطبيقًا للمعتقد فهمًا وحركة، وَفْقَ منهاج الاعتبار وسنن الله في الأنفس والآفاق، وهذا كما أشرنا يتطلَّب العودة إلى الأصول مصادر ومنهاجًا في ضوء الاجتهاد المقرَّر في الإسلام، والاختلاف المسموح به والذي لا يفسد للود قضية.
ثانيًا: الارتباط بالأصول أو الوحدة الفكرية ضرورة في صياغة مشروع ثقافي ينقذ الأمَّةَ مما عانته من جرَّاء الغزو الثقافي، أو التفريغ الثقافي كما يسميه البعض [3] ؛ ذلك أن الأمر قد مرَّ بأطوار عديدة، تاريخها يبدأ عند البعض من تعرف الغرب إلى العلم الإسلامي بالأندلس، ومن يومها بدأت الدراسات للغة الشرق الإسلامي وأدبه واجتماعياته، ثم أسهمتِ الحروب الصلبية بقدرٍ لا يستهان به في هذا الصدد، ثم كان ما كان من أمر الحملة الفَرنسية، والبعثات إليها، وأثر كل ذلك في ثقافة الأمة الإسلامية، ثم كان التعليم المزدوج أحيانًا - دينيًّا ودنيويًّا - والمختلط أحيانًا، ومدارس الإرساليات والتبشير، والجامعات الأمريكية وما حاكاها [4] .
وأيضًا فإن هذا (التفريغ) سوف ينشئ أجيالًا من تلاميذ المدارس تتهتَّك علائقها التي تربطها بثقافتنا العربية الإسلامية، اجتماعيًّا وثقافيًّا ولُغويًّا، حتى يتم تفريغها تفريغًا كاملًا من ماضيهم كله، ثم يملأ هذا
(1) شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم، 43، مكتبة الحياة، لبنان.
(2) شكيب أرسلان، السابق: الصفحة نفسها.
(3) محمود شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، 221، كتاب الهلال، أكتوبر 1987 م.
(4) انظر في هذا: محمود زقزوق، (د) ، الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، 136، قاسم السامرائي، الاستشراق بين الحقيقة والافتعال، 120، ومواضع متعددة من الكتاب، الشافعي، في فكرنا الحديث والمعاصر، 185.